ويلاحظ أن كثيرا من مدلولات كلمة"القدر"ومشتقاتها في معاجم اللغة متأثرة بشرح المفسرين لها في سياقاتها التي وردت بها في القرآن الكريم. لهذا اختار بعض المفسرين مدلول"علمنا"في قوله تعالى: { ... إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين} ، وذلك بدلا من"حكمنا"الذي يفيد الجبر، في مدلوله الظاهر، أو التقدير بمعنى"التخمين"المناسب للبشر.
ويلاحظ من الرجوع إلى معاجم اللغة والاستعمالات الدارجة لكلمة"القدر"أن هذه الكلمة على وجه العموم وفي الظاهر يغلب عليها معنى"الجبر". بيد أن المتتبع لمدلول هذه الكلمة في كتابات علماء العقيدة المستمد من مقابلة النصوص بعضها ببعض والتوفيق بينها، يجد أن المكونات الأساسية لهذه الكلمة تعني أن الله علم ما سيجري في هذا الكون وأمر القلم بكتابة ذلك في اللوح المحفوظ. [1]
وعموما يلاحظ أن القارئ عند مراجعة الآيات وثيقة الصلة ب"القدر"في سياق موضوعنا، سيجد مدلولين:
1 -مدلول يطابق مدلول القضاء بمعنى الأمر الرباني النافذ أو السنة الكونية (السبب والنتيجة الحتمية) . ومن هذه الآيات قوله تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدّره منازل ... } ، وقوله تعالى: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم.} ، وقوله تعالى: {وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام.} وقوله تعالى: {وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر.} ، وقوله تعالى: {وخلق كل شيء فقدّره تقديرا} [2] .
2 -مدلول يعني تحديد واقع الشيء: عناصره وهيأته وزمانه ومكان وقوعه وكيفية حدوثه ... ، أي علم الله بالأشياء والإحاطة بواقعها وتسجيل ذلك العلم أو كتابته في اللوح المحفوظ. وكما يقول أبو حنيفة"ولكن كتبه بالوصف لا بالحكم". [3] وهذا المدلول ربما كان مشتقا من"قاس الشيء أو حدد مقداره أو وقته" [4] كما في قوله تعالى: { ... إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين} [5] ولعل هذا المدلول هو نفسه المقصود في قوله صلى الله عليه وسلم:"فإذا غُمّ عليكم فأقدروا له" [6] وعندما يقول أحدنا للآخر: كم تقدر سعر هذا الكتاب؟ أو بكم تقدر تكاليف طباعة عشرة آلاف نسخة من هذا الكتاب؟ وذلك مع الفرق الجذري وهو أن تقدير المخلوق تقدير خرص وتخمين، وتقدير الله تقدير علم يقيني.
وإلى هذا العلم اليقيني المسجل قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة [7] تشير النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة. ومن هذه النصوص قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير.} [8] وقوله تعالى: إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في
(1) انظر مثلا: ابن تيمية، مجموع ج 3: 148 - 149؛ ابن القيم، شفاء ص 6 - 24.
(2) أبو يونس: 5؛ الفرقان: 2.؛ الحجر: 21؛ القمر: 12؛ فصلت: 10؛
(3) أبو حنيفة، الفقه ص 39؛ وانظر ابن تيمية ج 8: 280، العسقلاني، طبعة جامعة الإمام ج 1: 118؛ وعبد
الوهاب ص 57؛ والأشقر ص 25.
(4) أنظر لهذه المدلولات من مدلولات كلمة"قدر"في الزبيدي وأنيس.
(5) الحجر: 60. وانظر مثلا: الطبري وابن كثير لتفسير الآيتين وكذلك ابن منظور والزبيدي.
(6) البخاري: الصوم، إذا رأيتم الهلال.
(7) مسلم: القدر، حجاج آدم؛ وانظر تعلبق صديقي (مترجم صحيح مسلم) .
(8) الحديد: 22؛ وانظر: هود: 6؛ الحج: 70؛ يس: 12؛ وتعليق ابن القيم، شفاء ص 40.