فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 184

وهذا محال، لأنه خلاف مقتضى الحكمة الإلهية، التي اقتضت بقاء الخير والشر إلى يوم الدين، ومن جملة الشر: الشرك والكفر فإن زوالهما غير ممكن."وأسند تفنيده هذا بقوله"إن نصوص الكتاب الكريم تفيد أن الأكثرية من الناس غير مؤمنين ..."و"أن الإسلام يقر كثيرا من الطوائف والأمم على دينها إذا دخلت في عهد مع المسلمين. وهذا يعني بقاء الكفر." [1] ويضاف إلى ذلك أن تفسير الآية بمعنى حتى تكون كلمة الله هي العليا، حرفيا، فيه إكراه."

وينبه السرياني أيضا إلى أن هذا التفسير"يقتضي طلب الكفار بالقتال وإن جنحوا إلى السلم". [2] ورضوا بدفع الجزية، فيتعارض مع الآيات التي تنص على عدم مقاتلة هؤلاء صراحة وهي من الأحكام المجمع عليها. ويضيف السرياني بأن تفسير"الفتنة"والضمير في"قاتلوهم"والمقصود بالانتهاء مختلف فيه بين العلماء. فالفتنة قد تعني الكفر، أو ابتلاء المؤمن حتى يرجع عن دينه، أو القتال في الحرم. وأما الضمير في"قاتلوهم"فقد يعني المشركين فقط، أو الكافرين مع استثناء أهل الكتاب، أو الذين يقاتلون في الحرم. وأما"الانتهاء"فقد يعني ترك الكفر والدخول في الإسلام، أو ترك القتال وأخذ وضع الذمي بالنسبة لأهل الكتاب، أو ترك القتال فحسب، [3] أي أن الاستدلال بهذه الآية يبقى ظنيا.

والحقيقة، إن المدقق في الآية ومثيلتها وفي سياقيهما في سورة البقرة والأنفال يدرك تلقائيا أن هذه الآية تؤكد أن القتال إنما يكون لمن يحاربون الله ورسوله والمسلمين. فمعنى الآية في سورة البقرة يبدأ من قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ... وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فان انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين.} [4] وتؤكد الآية على التوقف عن مقاتلتهم إذا انتهوا. وتبدأ الآية الأخرى في سورة الأنفال بقوله تعالى: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ... وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فان انتهوا فإن الله بما يعملون بصير.} [5]

رابعا - قوله تعالى {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} . [6] فالآية صريحة بأن هذا القتال هو ضد الظالمين، ردًا لظلم سبق منهم ولإخراجهم المظلومين من ديارهم. وتعززها الآية التي تليها مباشرة، حيث تصف نوع الظلم بقوله تعالى: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله .. } .

يقول تعالى: { ... والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق.} ويقول تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير} ، ويقول تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من

(1) الطريقي ص 115؛ وانظر قول ابن عمر أن القضاء على الفتنة لا تعني خضوع جميع الناس للإسلام

في العسقلاني ج 8: 160 - 161.

(2) السرياني ص 120 - 121.

(3) السرياني ص 121.

(4) البقرة: 190 - 193.

(5) الأنفال: 36 - 39.

(6) الحج: 39 - 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت