ولكن يقول بعض المختصين بأن النُّسخ التي نُسخت في عهد عثمان كانت تتضمن القراءات العشر مفرقة في النسخ التي أرسلت إلى الأمصار [1] أي أن النسخ تتنوع في القراءة.
وهذا القول فيه نظر، وذلك لأنه يتعارض مع السبب الثابت الذي من أجله تم إعداد نسخ متعددة لما جمعه أبو بكر في عهده، وتعميمه على الأمصار الإسلامية. وإن وُجِد شيء من الاختلاف، غير المتعمد، فذلك نتيجة طبيعية لظروف الكتابة بالقلم والدواة وندرة الأوراق، ولكون أحد الصحابة يملي وعدد منهم يكتبون. وسواء أتمت المراجعة الجماعية أو الفردية للنسخ أو لم تتم، فهي اختلافات لا تخرج عن دائرة القراءات الثابتة، ومحدودة جدا. فالسبب صريح بأن الهدف من هذه النسخ هي قطع دابر الخلاف في القراءة، وإغلاق لأبواب الفتن التي أدى الاختلاف إليها، وليس لتأجيج هذا الخلاف بصورة رسمية.
ويلحق بهذا أننا لسنا في حاجة إلى مساندة مصداقية القراءات العشر بقصص خيالية، قد تطعن في المصداقية، وذلك بترديد قصة ربما اخترعها معاد للإسلام ماكر، مثل القصة التي تقول بأن أحد كبار القراء كان أصما، لا يسمع الأجراس، ولكنه كان يسمع تلاوة القرآن الكريم. [2]
يقول ابن الجزري، مسندا أقوال آخرين: كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، ً وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها. بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين. [3] وهو قول فيه الكثير من الصواب، مع بعض التعديلات، منها:
1.قبل تعميم المصحف الذي جُمع في عهد أبي بكر الصديق كان الاعتماد كله في مصداقية القراءة المحددة وتواتر القرآن على الحفظ غيبا وعلى نقل الثقة عن الثقة، أي من الصحابي إلى الصحابي، أو إلى التابعي المشهود له بالعدالة والضبط.
2.بعد تعميم المصحف الموحد في عهد عثمان ابن عفان أصبح المصحف المعمم، غير المنقوط وغير المُشكّل، ولم تعد الرواية هي المعيار الوحيد للمصداقية، ولكن اشترك معها المصحف المعمم في القيام بهذه الوظيفة.
3.جاء معيار اللهجات العربية في الدرجة الثالثة.
وشكّلت هذه المقاييس الثلاثة معايير يُحتكم إليها لإثبات نسبة القراءة المحددة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وليحميها من الخروج عن التعدد الثابت عنه في المراجعة الأخيرة مع جبريل، عليه السلام. فابن الجزري يقول إذا ثبتت الرواية وجب الأخذ بها وإن كانت حجتها في العربية ضعيفة. [4] ومن الطبيعي أن يأتي معيار موافقة
(1) جعفر، القرآن ص 54 - 57؛ إسماعيل، القراءات ص 94.
(2) لأن معدل القراءة للصفحة الواحدة من القرآن المطبوع في 520 لا تقل عن الدقيقة والنصف لكل صفحة.
(3) ابن الجزري، النشر في القراءات ج 1: 9؛ إسماعيل، اقراءات ص 52 - 94.
(4) النشر في القراءات العشر جزء 2 صفحة 401.