فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 184

وقد يعجب من يزور المجتمعات المسلمة، غير العربية، من طريقة استفادة هذه المجتمعات من هذا النظام. فمثلا، هناك عادة في مساجد كثيرة في قرى الصين، يقرأ فيها المصلون أو بعضهم سورة بعينها لعدد من الأيام بطريقة منتظمة، عقب صلاة الفريضة. يقرأ الإمام أول السورة، ثم يقرأ أحد طلبة العلم أو أحد المصلين الآية التي تليها، ... إلى أن تكتمل السورة. فينتهي الأمر، بعد مدة، إلى أن يحفظ المصلون أو بعضهم السورة كلها أو جزءا منها، ويصبح قادرا، وإن كان أميا، على تصويب الإمام أو غيره إذا أخطأ فيها. وبعبارة أخرى، لم يجعل الله حفظ القرآن من التحريف مهمة خاصة بمجموعة من المتخصصين، في مثل حالة الأحاديث النبوية، ولكن جعله من مهمة جميع المسلمين البالغين جبرا، واختيارا، لكل من يحفظه أو يحفظ جزءا منه.

وعلى وجه العموم للحديث عن موضوع تواتر ألفاظ القرآن الكريم وقراءاته نحتاج إلى تقسيمه إلى عدد من المراحل التي مرت بها القراءات المعتمدة.

كان الوحي الخاص بالقرآن الكريم يتم بالتلقين شفويا، بصورة مباشرة بين جبريل والنبي، صلى الله عليه وسلم. وكما نقلها جبريل، عليه السلام، إلى محمد، صلى الله عليه وسلم، نقلها النبي إلى المئات من أصحابه البررة قراءة. وإضافة إلى ذلك كان يأمر بكتابة ما ينزل عليه بالوسائل المتوفرة، مثل الريشة والحبر والجزء العريض من جريد النخل، والعظمة المسطحة في أفخاذ الحيوانات، ورقائق الحجارة، والجلد، وربما بعض قطع الطين المحروقة. فالورق الخاص بالكتابة لم يكن متوفرا بالصورة التي توفرت فيما بعد.

يتكون القرآن الكريم من المعاني التي تظهر في هيئة سور، وآيات، وكلمات وأحرف. وليس هناك اختلاف في كون ترتيب آياته في السور توقيفي. وهناك نقاش حول ما إذا كان ترتيب سوره توقيفي، ولكن صاحب الإتقان أورد أقوالا لعدد من العلماء تؤكد بأن ترتيب الآيات والسور، أيضا، توقيفي. [1]

وثبت عن ابن عبَّاسٍ، رضي الله عنهما، أنه قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم أجْوَدَ الناس بِالْخيْرِ وأَجْوَدُ ما يكُونُ في شهْرِ رمَضَان، َ لِأنَّ جبْرِيلَ كان يلْقَاهُ في كل ليْلَةٍ في شَهرِ رمَضَانَ حتى يَنْسَلخَ، يَعْرضُ عليه رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، الْقرْآنَ ..."وروى أبو هرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أن جبريل كان يَعْرضُ على النبي، صلى الله عليه وسلم، الْقرْآنَ كلَّ عامٍ مرَّةً فعَرَضهَ عليه مَرَّتَينِ في العَامِ الذي قبِضَ فيه. وكان يَعْتَكفُ كلَّ عامٍ عَشرًا فَاعتَكَفَ عشْرِينَ في العَام الذي قُبِضَ فيه. [2]

وهنا يبرز سؤال يحتاج إلى إجابة منطقية. لقد راجع النبي، صلى الله عليه وسلم، القرآن مع جبريل، عليه السلام، مرتين، بعد نزول القرآن بأكمله، في آخر رمضان للنبي، صلى الله عليه وسلم، أي أن المراجعة كانت متتابعة، فأي الاحتمالات أقرب للعقل:

(1) السيوطي، الإتقان ج 1: 169 - 174؛ جعفر، القرآن والقراءات 36 - 156.

(2) البخاري، صحيح ج 4: 1911؛ العسقلاني، فتح الباري ج 9: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت