فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 184

وبعبارة أخرى فإنه بالنسبة لعلم الله لا وجود لما نسميه بالماضي أو المستقبل أو المحتمل، فكل الأحداث بالنسبة لعلمه سبحانه وتعالى حاضرة.

من الموجودات ما هو في نطاق إدراكنا الحسي، يمكن أن ندركه بحواسنا الخمس وامتداداتها (وسائل التقنية الحديثة أو الطرق الروحية وما يندرج تحت الحاسة السادسة) . ومن الموجودات ما هو خارج عن نطاق إدراكنا الحسي (أي هو غيبي) . فالناظر من مكان مرتفع -مثلا- يرى ما لا يراه الناظر من موقع منخفض. فبعض الأشياء التي يدركها الأول وأصبحت جزءا من علمه تعتبر غيبيات بالنسبة للآخر وغير موجودة. وكذلك الواقف عند ملتقى شارعين متعامدين يرى ما لا يراه الواقف في أحد الشارعين بعيدا عن نقطة التقائهما. فالشارعان وما فيهما بالنسبة للأول يعتبر علما محسوسا، أما بالنسبة للآخر فأحد الشوارع وما فيه يُعد من الغيبيات.

أما بالنسبة لعلم الله فلا يقيده قيد المكان أو الموقع، فليس هناك أشياء بعيدة أو مختفية وراء أشياء أخرى. بل كل شيء حاضر، فعلمه مطلق لا بداية له ولانهاية.

حواس الإدراك عند الإنسان محدودة، حتى إن بعض الحيوانات والحشرات لديها حواس أقوى من حواسه. فحدة نظر القطط في الظلام معروفة مثلا، وكذلك حدة حاسة الشم عند الكلاب لا تخفى على أحد.

وفي المقابل، فإن علم الله لا يقيده قيد الحواس المحدودة. فهو السميع البصير العليم وصفاته جميعها مطلقة. وعلمه مطلق حيث يقول تعالى: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه؛ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين.} [1]

ومن هنا جاء الاعتقاد بأنه"لا ينفع الحذر من وقوع القدر"لأن القدر هو تسجيل رباني دقيق مائة في المائة لما يجري في الواقع. وذلك بصرف النظر عن كون هذا الواقع بالنسبة للمخلوقات أشياء حدثت في الماضي أو تحدث حاليا أو ستحدث في المستقبل أو أنها أحداث محتملة الوقوع.

ومثال اللوح المحفوظ في المستوى البشري أن يقوم شخص بتسجيل ما يجري في الواقع مما يدركه إدراكا كاملا بحواسه الخمس، ويسجله بدقة تامة، أي بنسبة مائة في المائة. فهل يختلف ما يجري في الواقع عن ما قام بتسجيله؟ سيكون هناك تطابق كامل ما دام الإدراك كاملا والتسجيل تاما.

فالقدر هو تسجيل لكل شيء يقع في الكون، من علم الله الذي لا يقيده قيد الزمان أو المكان أو الحواس المحدودة للمعرفة، أو كما عبر عنه ابن تيمية بقوله:"... تقدم علمه وكتابته وقضاؤه بما سيصير إليه العباد من السعادة"

(1) يونس: 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت