فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 184

أما علم الله سبحانه وتعالى فهو علم مطلق لا يقيده قيد الزمان، فالله هو خالق الزمان. لهذا كل شيء عنده حاضر وعلمه بالأشياء علم يقيني، أي ليس هناك ما يمكن اعتباره غيبا بالنسبة لعلمه سبحانه وتعالى.

نعم قد يستطيع المخلوق التنبؤ بما سيأتي به المستقبل في حالة وجود نظام متكامل منتظم، يتألف من أسباب ونتائج حتمية ومرتبة بطريقة دقيقة ثابتة، وذلك في حالة الإحاطة الدقيقة بهذا النظام.

ولتتضح الصورة، افترض أنك لاحظت من كثرة صلاتك خلف إمام أحد المساجد أنه يتبع نظاما دقيقا. لقد لاحظت أن الإمام يقرأ سورا محددة في صلاة المغرب والعشاء والفجر من كل يوم من أيام الأسبوع. وبمعرفتك لهذا النظام الذي يتبعه الإمام أصبح في إمكانك تحديد (تقدير) ما قرأه الإمام في اليوم المحدد وإن لم تحضر الصلاة معه، حيث يمكنك القول بأن الإمام قد قرأ سورة كذا بالأمس مثلا (ماضي) . وإن حضرت الصلاة معه فأنت تعرف ما يقرؤه الإمام في حضورك (حاضر) . وتستطيع أن تقول بأن الإمام سيقرأ سورة كذا، غدا (المستقبل) . وحتى لو توفي الإمام قبل أن يأتي يوم غد فإنه يمكنك التنبؤ بما يحتمل أن يقرأه الإمام لو بقي حيا.

وفي إمكانك تسجيل هذه المعلومات وحفظها لنفسك أو أن تطلع الآخرين عليها كلها أو على جزء منها، دفعة واحدة أو مجزأة. ولكن علمك هذا غير يقيني إلا بالنسبة للصلاة التي تحضرها. ونلاحظ في هذا المثال أن علم المخلوقات مقيد بقيد الزمان (الماضي والحاضر والمستقبل المؤكد أو المحتمل) وقد تستطيع التحرر من هذا القيد -نسبيا- لوجود نظام دقيق محدد يتكون من أسباب (حلول وقت صلاة المغرب يوم الاثنين مثلا) ونتائج حتمية (قراءة سورة الانشراح في الركعة الأولى مثلا) . ولكن المصلي في هذا المثال لا يسيطر على هذا النظام ولا على من عمل هذا النظام، وذلك لأن الإمام قد يغير نظامه هذا في أي لحظة.

ومن آثار قيد الزمان أن المعلومة المحددة قد تكون علما يقينيا عند أحدنا، وفي الوقت نفسه، تكون معلومة غيبية عند الآخر. فنتائج الامتحان -مثلا- عند المدرس الذي قام بتصحيح الإجابات تعد علما يقينيا، أما بالنسبة للطالب أو بالنسبة لأي شخص آخر لم يطلع على النتائج، تعد علما غيبيا. وفي أفضل الحالات قد تكون معلومة تقريبية متوقعة غير مؤكدة. فعلم الله مطلق وعلم المخلوق مقيد.

ولعل الشكل التالي يوضح الفرق بين العلم المطلق الذي لا يقيده قيد الزمان ولا بداية له ولا نهاية، ويمكن التعبير عنه بالدائرة، وعلم المخلوق الذي يقيده قيد الزمان وله بداية ونهاية، ويمكن التعبير عنه بالخط المستقيم.

حاضر

ما مضى الحاضر ما يقع مستقبلا ما يحتمل وقوعه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت