نصوص وأفعال للرسول صلى الله عليه وسلم، وليستا خاصتين بفئة لها صفاتها المحددة. والآية الخامسة هي قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد. فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم.} [1] وأما الآية التاسعة والعشرون فهي قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} . [2]
هناك عدد من التساؤلات والملاحظات على الحجة الرئيسة للقول بالنسخ تستحق التأمل. وتتمثل الحجة الرئيسة في اعتبار هاتين الآيتين ذواتي مدلول عام، ينسخ كل ما يتعارض معهما وليس خاصًّا، ومن هذه التساؤلات والملاحظات ما يلي: [3]
أولا - من يراجع كتب التفاسير والكتابات المتخصصة في علم الناسخ والمنسوخ لا يجد دليلا نقليا واحدا قطعي الدلالة (من الكتاب والسنة) يشير إلى أن الآيتين عامتان وناسختان لمئات النصوص التي جاءت قبلها في الكتاب وفي السنة الفعلية. فالترجيح إذًا عند القائلين بالنسخ كان بدليل عقلي. ومادام الأمر كذلك فما الدليل العقلي البارز؟ هل هو كون الآيات نزلت عقب الآيات الكثيرة والتطبيقات الفعلية الكثيرة التي أرست أسس القاعدة العامة؟ وهل يكفي أن تكون الآية متأخرة في النزول لأن تكون عامة وناسخة لما قبلها، دون النظر في الاعتبارات الأخرى مثل احتمال عدم التعارض أصلا؟
ثانيا - هناك من يقول بأن آية السيف نفسها منسوخة، إذ يقول ابن الجوزي بأن الأقوال في آية السيف ثلاثة: أحدها: أن حكم الأسرى كان وجوب قتلهم ثم نُسخ بقوله تعالى: {فإما منًّا بعد، وإما فداء} . [4] قاله الحسن، وعطاء والضحاك ... والثاني: بالعكس، إذ يقول بأن الحكم كان في الأسرى أنه لا يجوز قتلهم صبرا، وإنما يجوز المن والفداء فنسختها آية السيف. والثالث: أن الآيتين محكمتان ... [5] وما دام الأمر كذلك، فلماذا لا نمعن النظر في الاحتمال الآخر وهو كون الآيتين خاصتين ومستثنيتين من القاعدة العامة؟
ثالثا - هناك اختلاف بين العلماء حول كون الأصل في الإسلام السلم أو الأصل فيه الحرب، أي أن المقاتلة تجب لمجرد الكفر أو لأجل محاربة الآخرين للإسلام. ويقول الطريقي بأن جمهور علماء السلف ذهبوا إلى أن الأصل في الإسلام الحرب، ودلل على قوله هذا باقتباسات من المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي. ولكن يضيف بأن عددا من العلماء المحدثين ذهبوا إلى أن الأصل هو السلم، والمقاتلة دفاعية لا هجومية. ومن هؤلاء: محمد رشيد رضا،
(1) وانظر التوبة: 1 - 4.
(2) التوبة: 29.
(3) وانظر الصعيدي ص 25 - 52، والزحيلي، آثار ص 106 - 124.
(4) محمد: 4.
(5) الملباري، ص 359 - 360. وانظر لاختلاف العلماء في المسألة والنسخ عموما: النحاس ص 267 -
273؛ السيوطي ص 2: 20 - 27؛ القيسي 307 - 322؛ مصطفى، إذ يقول أن المنسوخ فقط ثلاث
مواضع في القرآن الكريم.