1.جاءت الآية التالية، في سورة الممتحنة، للإخبار فقط عن البراءة مما يعمله كل فريق في قوله تعالى: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} . [1]
2.تفريق رب العالمين بين البراءة من المعتقد، والبراءة من صاحب المعتقد، فقد أضيفت الأخيرة إلى الأولى، في قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. كَفَرْنَا بِكُمْ ... } [2] لقد أضيفت البراءة مما يعبدون إلى البراءة من عابديها باعتبارهما أشياء مستقلة، فالبراءة من الفعل لا تقتضي البراءة ممن يقوم به دائما.
3.إضافة العداوة والبغضاء في جملة مستقلة إلى التبري، وإضافة البغضاء إلى العداوة، وذلك باعتبارها صفات مستقلة، أي وجود أحدها لا يلزم وجود الأخريات، وذلك في تكملة الآية السابقة: { ... كَفَرْنَا بِكُمْ، وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ والْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} . فالبغضاء قد تبقى مخفية دون ترجمة حسية. وقد تترجم في هيئة عبارات أو سلوك سلبي فتظهر للآخرين لتسمى العداوة. وقد يحدث السلوك العدائي، بدون بغض، من باب المزاح أو لغرض التربية أو بغير قصد.
يتمثل المدلول الأساس لكلمة"البراء"ومشتقاتها في"الانفصال عن الشيء"، سواء أكانت تهمة أو عيبا، أودَينا، أو عن الأصل المختلف كما في أبدع، أو نفي العلاقة بين المخلوقات ذوات الحياة (مثل الإنسان) وبين شيء معنوي محدد (مثل الكفر) ، أو نفي العلاقة بين مجموعتين من المخلوقات. [3] فهنا تتضافر الأدلة من القرآن، واللغة، والعقل على فساد تعريف البراء بأنها العداوة والبغضاء.
ويلاحظ هنا أن إبراهيم عليه السلام يعلن عن العداوة والبغضاء المتبادلة بينه وبين قومه، والذي بدأها قومه، حيث لم يقتصروا على رفض دعوته، بل قاموا بمعاداته وبغضه. ولهذا، ربط زوالها بالإيمان، ولكن الآية السابعة تركت الأسباب مفتوحة. يقول تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً، وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} . [4] فقد تزول هذه الحالة بأن يكف قومه عن بغضه وعداوته.
وبهذا يتضح مما سبق أن انعدام الولاء لا يعني بالضرورة البراء أو العداوة والبغضاء. فالأمر ليس إما ولاء أو براء، ولكن هناك حالات متفاوتة بينهما؛ قد يكون الإشفاق أو الحياد، في حالة غياب الولاء أو البراء.
تفسر السنة معاني بعض الآيات فتزيدها وضوحا. ومثاله يقرأ المسلم العربي سورة الفاتحة سبع عشرة مرة في اليوم، ويفهم معناها العام، ولكن يأتي حديث فيزيد معناها جلاء. يقول أبو هُرَيْرَةَ سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي شَطْرَيْنِ فَنِصْفُهَا لي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي ما سَأَلَ قال فقال رسول اللَّه، ِ صلى الله عليه وسلم، اقرؤوا يقول الْعَبْدُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فيقول الله عز وجل
(1) سورة يونس: 41. وانظر سورة الحاشية 29.
(2) سورة الممتحنة: 4.
(3) ابن منظور، برأ؛ سورة الحديد: 22؛ وانظر: البقرة: 54، 166 - 167؛ الحشر: 24؛ المائدة: 110؛
الأنفال: 48؛ النساء 112؛ الأنعام: 19.
(4) سورة الممتحنة: 4، 7.