السماء. [1] كما ورد في السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم:"ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا كتبت شقية أو سعيدة ..." [2] وسئل النبي صلى الله عليه وسلم:"أعُلِمَ (أو أيعرف) أهل الجنة من أهل النار؟ فقال: نعم. قيل: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كل مُيّسر لما خُلق له." [3]
من الطبيعي أن تكون هناك صعوبة في فهم العلم المطلق لله سبحانه وتعالى واستحالة الإحاطة الكاملة بحقيقته. وذلك لأن علم المخلوقات ومنها المخلوق المكلف محدود بقيود أساسية منها قيد الزمان وقيد المكان وقيد الحواس المحدودة. وذلك بخلاف علم الله الذي لا تقيده هذه القيود. وفيما يلي نستعرض هذه القيود واحدة فواحدة ليتضح المقصود.
عندما نقول إن علم الإنسان مقيد بقيد الزمان فإننا نقصد أن الإنسان يدرك الأشياء مجزأة على أجزاء صغيرة، ولكي يدرك الصورة الكاملة للأشياء أو الأحداث يحتاج إلى فترة زمنية قد تطول أو تقصر حسب حجم الشيء الذي يريد إدراكه أو الحدث. فمثلا لو أراد أن يعرف شكل قطعة من الورق (الحجم، والسماكة، واللون ... ) حتى لو كانت قطعة صغيرة فإنه يحتاج إلى فحص كل وجه بشكل مستقل. وبعبارة أخرى، يحتاج إلى فترة زمنية ولاتكفيه النظرة الواحدة. وفي الوقت الذي يلقي فيه النظرة على الوجه الثاني، فإن معلوماته عن الوجه الذي فحصه أولا، تصبح معلومات تاريخية، قابلة للتشويه أو للنسيان. وعموما يمكن التمييز بين أربعة أنواع من العلم للمخلوقات:
1 -علم اكتسبه في الماضي وهو عرضة للتشويه أو للنسيان.
2 -علم يكتسبه في حاضره وهو أكثر علم المخلوق وضوحا عنده.
3 -علم سيكتسبه في المستقبل عن شيء سيوجد في المستقبل، ويبقى غيبيا حتى يأتي المستقبل فيصبح حاضرا أو واقعا.
4 -تخيلات لمجموعة من الأشياء محتملة الحدوث، لا يمكن حدوثها جميعا في وقت واحد، (أن يكون الإنسان الواحد واقفا وجالسا في نفس الوقت) ، أو تخيلات لأشياء لا يمكن حدوثها لتخلف بعض شروط حدوثها. ومثال ذلك احتمال أن يكتب إنسان محدد في وقت محدد رسالة، دون أن يكون لديه ما يكتب به (مثل القلم) أو ما يكتب عليه (مثل الورق) .
ومثال الأنواع الأربعة أنك مثلا ربما تتذكر ماذا قرأ الإمام في صلاة الفجر قبل يوم أو يومين ولكن لا تتذكر ماذا قرأ في صلاة الفجر قبل أسبوع أو أسبوعين، وبالتأكيد تعرف ما يقرؤه الإمام وأنت تحضر صلاة الفجر معه، ولكن بالتأكيد لا تدري ما سيقرؤه الإمام في الصلاة التالية. وإن مات الإمام قبل أن يحين وقتها -فبالتأكيد- لا تعرف ما يحتمل أن يقرؤه لو لم يمت.
(1) آل عمران: 5.
(2) مسلم: القدر، كيفية الخلق.
(3) البخاري: القدر، جف القلم؛ وانظر مسلم والترمذي، القدر.