يستفيد المفسر لتفسير نص في القرآن بنص أو نصوص أخرى في القرآن، وذلك بدرجات متفاوتة، يتراوح بين المساهمة المباشرة، كما ظهر لنا في أمثلة السياق. ومثاله تفسير كلمة"عدوي وعدوكم"، في سورة الممتحنة، بقوله تعالى: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ. وقد يكون التفسير بقاعدة عامة، مثل لا إكراه في الدين، ليبين بأن قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} . [1] وقد يحتاج الأمر إلى الاستعانة بمجموعة من الآيات متفرقة، مثل الآيات التي تؤكد بأن الفصل بين الحق والباطل يوم الحساب أو القيامة. [2]
والقاعدة عند الاختلاف على مدلول كلمة وردت في القرآن مع مدلولها في المصادر الأخرى للتفسير، مثل كتب السنة ومعاجم اللغة فإن الحكم فيها للقرآن، ولاسيما إذا ورد استعمالها في آيات متعددة وسياقات مختلفة.
السنة هي أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وإقراراته، أي أفعال أو أقوال صدرت من آخرين علم بها النبي صلى الله عليه وسلم وأقرها. فالسنة هي مجموعة من التطبيقات العملية لما ورد في القرآن الكريم، ولما أوحي إليه وأُلهِم، واجتهاداته عليه الصلاة والسلام، في كافة مجالات الحياة. وقد تم حفظها سماعا وتم تسجيل شيء منها في عهده، صلى الله عليه وسلم. ثم سجلها المختصون في علم الحديث، في ظل شروط تتراوح بين الصارم والجيد، بحسب منهج من قام بالتسجيل. وقد تم تسجيل معظم السنة بقواعد صارمة. [3]
ومن المعلوم أن السنة النبوية تعتبر مكملة ومفصلة لآيات الأحكام. وأما بالنسبة لآيات الأخبار فلم تكن هناك حاجة إلى التفصيل، وذلك لأن تركيز الصحابة كان على فهم آيات الأحكام. وعموما فإن كثيرا من المفردات في القرآن وبعض سوره ورد فيها تفسير نبوي. وترتبط مسألة قبول التفسير من السنة على درجة مصداقيته، ودرجة دلالته، أي هل هو أقرب إلى القطعي منه إلى الظني أو العكس. فما ثبت تفسيره عن النبي، قطعي الثبوت وقطعي الدلالة، فلا يمكن مناقشته، ولكن دون استبعاد المعاني المحتملة الأخرى لغويا، أي لا يستوجب الاقتصار عليه. ويعتمد ترجيحه على الأدلة من المصادر الأخرى، عند الاختلاف ولاسيما في حالة التعارض.
ويلاحظ أن ما ثبت من السنة عالية المصداقية في تفسير آيات الأخبار قليل جدا، مقارنة بما ثبت بالنسبة لآيات الأحكام. وهو أمر طبيعي لأن القرآن نزل بلغة قريش ووردت الأخبار بلغة يألفونها؛ فهم يفهمون منها ما يحتاجون، وكثير من الحقائق الكونية التفصيلية قابلة للإدراك الحسي. وأما الأخبار الغيبية فهم يؤمنون بها لأنها وردت في القرآن.
(1) الممتحنة:1 - 2؛ التوبة: 123؛
(2) يونس: 93؛ النحل: 25 - 27؛ ص: 14 - 16، 52 - 53؛ المتحنة: 3، 25 - 26.
(3) مثلا: ابن الصلاح، علوم الحديث؛ القطان، علوم الحديث؛ صيني، منهج أبحاث المحدثين.