ومثاله أيضا قوله تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ. [1]
ففي هاتين الآيتين يوضح الأسلوب بأنه ليس المقصود إثبات احتمال خطأ المؤمنين، ولكنه التحدي بالفرضية الصفرية التي تقول: لنفترض أنا جميعا سواء بالنسبة لاحتمال الصواب والخطأ. والحق سيظهر يوم الحساب بعد انتهاء فترة الاختبار.
وأما السياق فقد يكون جملة لصيقة ومباشرة، لا تحتاج إلا إلى النظر في الآية أو الآيات التي تسبقها أو تليها مباشرة ليزول التعميم الوارد في بداية الآية، في قوله تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم. ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر، عليهم دائرة السوء، والله سميع عليم. ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول، ألا إنها قربة لهم، سيدخلهم الله في رحمته، إن الله غفور رحيم} . [2]
ومثاله القول السائد بأن الولاء يعني المحبة والنصرة، ولكن عند قراءة الآية التالية يتضح أن هذا القول السائد غير صحيح. يقول تعالى: { ... والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق.} [3] فالآية تنفي الولاية تماما بين من هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن أسلم ولم يهاجر، ولكنه أثبت النصرة بشروطها. ومن المعلوم أن المحبة مطلوبة بين المؤمنين في أي ظرف، ولا يجوز نفيها في أية حال. فالقول بأن الولاء معناه المحبة والنصرة تجعل الآية تبدو متناقضة، وأما إذا قلنا بأن الولاء معناه الوصاية ووجود نوع من السلطة فتظهر الآية عندئذ متسقة.
وكذلك الأمر بالنسبة لمصطلح البراء. فالتعريف السائد في القرون المتأخرة يقول بأن البراءة تعني العداوة والبغضاء، وأن البراءة من الشرك تستوجب البراءة من المشرك. وعند مراجعة الآيات الرابعة إلى التاسعة في سورة الممتحنة يتضح أن هذا التعريف يجانب الصواب. فقد اعتبرت النصوص القرآنية البراءة فعلا مستقلا عن العداوة، وعن البغضاء؛ وجعلت البراءة الدائمة من الشرك مستقلة عن البراءة من المشرك المعادي. [4]
ومثاله أيضا الآية التي توجب كتابة الدَّين في بدايتها ثم تجيز عدم الكتابة { ... فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ.} [5] . فبداية الآية توجب الكتابة، ولكن نهايتها تصرف الوجوب إلى الاستحباب.
وهكذا نلاحظ أن السياق المخصص قد يكون واضحا في النص أو يسبقه أو يلحق به مباشرة. وقد يحتاج الأمر إلى استقراء جميع النصوص التي وردت فيها الكلمة بمشتقاتها في القرآن.
(1) سورة سبأ: 24 - 25.
(2) سورة التوبة: 97 - 99؛ وانظر آل عمرا: 110 - 112 وسياقها المباشر من 113 - 115.
(3) سورة الأنفال: 72؛ وانظر المزيد من التعليق في الفصل السابع.
(4) سورة الممتحنة: 4 - 9.
(5) سورة البقرة: 282 - 283.