فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 184

من الواضح أن جهاد الطلب في صورته الأصلية أو المرققة يتعارض مع المدلول الصحيح لكلمة"جاهد، يجاهد"فالمجاهدة هي رَدّة فعل لشيء يسبقه، ويتفاعل معه بصورة مستمرة، مثل قاوم يقاوم، وليس هاجم يهاجم ابتداء. وحتى إذا قلنا بأن القتال هو ردة فعل لرفض الطرف الآخر الاقتناع بما أدعوه إليه فإن هذا القول يتعارض مع العدالة الربانية والبشرية. ويكفي أن يضع الإنسان نفسه في مكان المدعو ليدرك خطأ هذا الفهم وخطره.

ويتعارض هذا الفهم مع العقل والفطرة، فعندما قال أحد قادة رجال الدين من غير المسلمين بأن الإسلام انتشر بالسيف، أي بمبادرة الكافرين بالقتال لكفرهم احتج علماء المسلمين ومسئولوهم وعامتهم على هذه التهمة بطريقة تلقائية. وإذا سألنا واضع الاختبار: هل تجيز للمراقب على الاختبار أن يرغم الطلاب على الإجابات الصحيحة؟ ستكون الإجابة الحتمية المنطقية: لا.

وفوق كل ذلك، فإن هذا الفهم للجهاد يتعارض مع النصوص القرآنية العديدة، الصريحة وقطعية الدلالة، مثل قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} ، ولا محاسبة إلا بعد الممات وانتهاء فترة الاختبار. [1] ويتعارض مع جميع الآيات العديدة الصريحة التي تؤكد أن مهمة الرسول تنحصر في البلاغ، مثل قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} . [2] بل إن رب العالمين يعاتب نبيه على جزعه على عدم استجابة الكافرين لدعوته، فيقول تعالى، مخاطبا نبيه الكريم: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} . [3] وما جاء في هذه الآيات القرآنية لا تقبل النسخ لأنها حقائق مطلقة نتلقاها من الله علام الغيوب.

ويتعارض هذا الفهم مع نصوص السنة الكثيرة، ومنها ما رواه عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قُدِم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغى ولدها إذ وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله:"أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار". قلنا: لا والله وهى تقدر على أن لا تطرحه. فقال رسول الله:"لله أرحم بعباده من هذه بولدها." [4]

ويتعارض مع حرص النبي عليه الصلاة والسلام حتى على إسلام الأجيال البشرية التي لم تولد بعد. فعندما قال له مَلَكُ الْجِبَال:"يا محمد ... إن شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عليهم الْأَخْشَبَيْنِ (الجبلين) ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله من أَصْلَابِهِمْ من يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شيئا". [5]

فإذا كانت هذه هي رحمة الله بعباده وحرص نبيه على إسلام حتى الأجيال التي لم تولد بعد، هل يمكن أن يأمر الإسلام بقتال من لا يقبل الإسلام، ليعجل في موته، فيحرمه من فرصة الإسلام المتأخر؟ وبما أنه من المعلوم أن

(1) سورة البقرة: 256، 161.

(2) سورة الشورى: 48.

(3) سورة يونس: 99.

(4) البخاري: الأدب، من ترك صبية؛ مسلم: سقوط الذنوب، سعة رحمة الله.

(5) البخاري: بدء الخلق، إذا قال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت