للإسلام متخفين في ثياب الإسلام؛ فهم يُصلُّون وينفقون في الظاهر ولكن ليحاربوا الإسلام في الخفاء. وذلك في قوله تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} . وقوله تعالى: {لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني، ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين. إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون} . [1] ومن الأعراب أيضا منافقون، يقول سبحانه وتعالى عنهم: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، والله عليم حكيم. ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر، عليهم دائرة السوء، والله سميع عليم} . [2]
ويلاحظ أن الحكم بالنسبة للمشركين الذين يعادون الإسلام جاء-في الأصل- بقتلهم، وأما بالنسبة لأهل الكتاب فجاء بمقاتلتهم (وجود احتمال الحياة والحرية مع دفع الجزية) ، وأما بالنسبة للمنافقين والكافرين عموما فجاء الأمر بجهادهم. ومن الواضح أن الجهاد أكثر شمولية من المقاتلة لأنه قد يقتصر على الحرب الكلامية (الحرب الباردة) وقد يشتمل على التدابير الوقائية مثل استخدام الحد الأقصى من التسامح كما فعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، مع عبد الله ابن أبي ابن سلول الذي أثار فتنة في وقت استراحة الجيش فلم يعاقبه، ولكن أمر بالرحيل لينشغل الناس بالمسير عن الحديث فيما قد يشعل نار الفتنة. [3] ويؤكد هذا المعنى آل محمود حيث يقول بأن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بالجهاد في السور المكية قبل أن يفرض القتال في قوله تعالى: {وجاهدهم به جهادا كبيرا} [4] أي بالقرآن الكريم. واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"المجاهد من جاهد نفسه"وبقوله عليه الصلاة والسلام أيضا"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر."و"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم." [5] وأما القتل فهو أكثر تحديدا من المقاتلة؛ فهو يعني إما الإسلام أو السيف. وهذه الأحكام سارية المفعول على كل من تنطبق عليه هذه الصفات إلى يوم الدين.
وهكذا فإن الآيتين لا تتعارضان مع أدلة القاعدة العامة. وهي أن الإسلام دين سلم وليس دين حرب، ولكنه يدعو إلى مواجهة العدو البادئ بالعداوة بالمثل ودون تهاون والعمل على ردعه، ودون اعتداء لقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} . [6]
(1) التوبة: 48 - 50؛ وانظر الآيات: 74 - 76، 79، 86 - 87، 96.
(2) التوبة: 73، التوبة: 97 - 98، 54. ولكن من الأعراب من هم أخيار وانظر الآية 99.
(3) ابن هشام ج 3: 82 - 84. وانظر ابن القيم في تعريفه للجهاد حيث يشمل الحجة والبيان والتبليغ، وجهاد
النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار وجهاد المنافقين.، زاد المعاد ج 3: 5 - 12.
(4) الفرقان: 52.
(5) آل محمود، مجموعة ج 2: 19 - 20. والأحاديث كلها موجودة في مسند أحمد: الأول من رواية
فضالة بن عبيد في مسند الأنصار، والثاني من رواية أبي سعيد الخدري، والثالث من رواية أنس
وكلاهما في مسند المكثرين.
(6) البقرة: 190؛ وانظر التوبة: 36.