عامهم هذا ... ويفصِّله الإعلان الذي نادى به علي ابن أبي طالب، رضي الله عنه، بأمر من الرسول، صلى الله عليه وسلم، وهو"أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان." [1] فأصل قدسية المسجد الحرام مستمدة من الله ورسالاته، وعلى المشركين أن يقدسوا المسجد الحرام حسب شريعة الله أو يدَعوه. وأصل تشريع الحج من عند الله، فعلى المشركين أن يؤدوه كما يريد الله أو لا يؤدوه.
2 -تخيير المشركين بين القتل والإسلام، وورد هذا المعنى في آية السيف أي في قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم} . ومع هذا الحكم جاءت أوصاف الذين ينطبق عليهم هذا الحكم. ومن أوصافهم ما جاء في قوله تعالى: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاّ ولا ذمة، يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون. اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله، إنهم ساء ما كانوا يعملون. لا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمة وأولئك هم المعتدون} [2] وقوله تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون. ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة ... } [3] وتؤكد الآية السادسة والثلاثون من السورة نفسها أن قتال المسلمين للكافرين ليس ابتداء، ولكن معاملة بالمثل وذلك في قوله تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة، واعلموا أن الله مع المتقين} .
ويلاحظ هنا التأكيد على أنهم يظهرون ما لا يبطنون، ويصدون عن سبيل الله، ويتعدون حدود الله، ويغدرون بالمؤمنين، ويطعنون في الدين، وهم الذين بدءوا بالاعتداء ... ولم يورد الله تعالى الكفر سببا مستقلا.
ويلاحظ أن الآية تأمر بقتلهم وأخذهم وحصرهم وليس بـ"قتالهم".
3 -تخيير أهل الكتاب بين الإسلام، أو المقاتلة أو دفع الجزية، وذلك في الآية التاسعة والعشرين من السورة نفسها، في قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} . ومع هذه الخيارات جاءت أوصافهم في قوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله، ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله، أنى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاَ واحداَ، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون. يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون.} [4] وهنا نلاحظ مرة أخرى أن سبب المقاتلة والتقييد بالخيارات الثلاث ليس فساد عقيدتهم فحسب، ولكن لعملهم على إطفاء نور الله، مستخدمين في ذلك كل الوسائل عدوانا وظلما.
4 -أمر بجهاد الكافرين والمنافقين في قوله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم، ومأواهم جهنم وبئس المصير} . وجاء وصفهم في عدد من الآيات. ومن هذه الآيات وصف حقيقة المنافقين أعداء
(1) التوبة: 4، 7، 28؛ البخاري: التفسير، وأذان من الله.
(2) التوبة: 8 - 10.
(3) التوبة: 12 - 13.
(4) التوبة: 30 - 33.