اللهجات العربية مجرد سندٍ للمعيارين السابقين، وذلك لأن اللغة كائن حي، تنمو مفرداتها بالاشتقاق وبالتبني وتتغير مدلولاتها بدرجات متفاوتة مع الزمن. وهذا، مع أن التغيُّر في اللغة العربية، هو الأقل بين اللغات، لوجود نموذج مجسم لها، يتمثل في القرآن الكريم المتواتر لفظا ومعنى، والذي يكثر استعماله بصفته النموذج الأعلى (اللغة العربية الرسمية) . وتم استنتاج قواعد النحو في اللغة العربية، من الاستعمال القرآني لها، واستعمال النبي، صلى الله عليه وسلم، ومن استعمالات العرب، وعلى رأسها استعمال قريش.
اتضح مما سبق أن الحفظ عن ظهر غيب والذي تسنده الكتابة غير المنقوطة وغير المُشكّلة هو الوسيلة التي تم الاعتماد عليها في حفظ القرآن الكريم، سواء في حياته، صلى الله عليه وسلم، أو بعد جمعه في مجلد واحد. وكان مجال التعدد مفتوحا في إطار اللهجات العربية، فترك فرصة للاختلاف، احتدم حوله النزاع بين بعض المسلمين. فجاء تعميم النسخة الموحدة بلهجة قريش، في عهد الخليفة الثالث فحجّم التعدد بصورة واضحة. ثم جاءت المرحلة التي تصدّى فيها العلماء المتخصصون في هذا المجال، بوسائل تُميِّز بين أصناف من الاختلافات محددة، فكان منها:
1.وضع بعض القواعد للتمييز بين القراءة المعتمدة وغير المعتمدة -كما سبق بيانه.
2.اعتماد قراءات محددة تنحصر في عشر قراءات اشتهر بها بعض القراء، وتناقلتها الأجيال المتعاقبة شفاهة بين المعلم والمتلقي. وذلك اعتمادا على المعايير الثلاثة: تواتر الرواية، موافقة أحد المصاحف العثمانية، وموافقة وجه من أوجه اللغة العربية، أي اتساق الاختلاف مع مضمون الجملة التي تقع فيها. [1]
3.تأكيد أهمية الإسناد للقراءة المحددة، وأهلية القارئ الذي يقوم بمهمة تعليم القرآن لغيره، مثل الحصول على إجازة بالقراءة المحددة أو بعدد منها.
وبهذا يثبت أن جميع آيات القرآن الكريم تم نقلها بقراءاتها المتعددة، عبر الزمان والمكان، بالتواتر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في صورتها المروية تلاوة والمكتوبة في النسخ التي تم توزيعها على الأمصار المختلفة في عهد الخليفة الراشد الثالث، وبالصورة التي حفظها علماء القراءات الحاصلين على الإجازة. فآيات القرآن الكريم لم يتدخل البشر في اختيار مضموناتها أو التعبير عنها. وأما الاختيار من بين القراءات الثابتة، فمسألة مختلفة لأنها ليس تعبيرات بشرية عن معاني مقدسة، ولكن اختيار من قراءات ثابتة، لا تمس المعاني الأساسية، كما هو واضح من حقيقة القراءات. وفيما يلي رواة القراءات العشر. [2]
القراء وولادتهم ووفاتهم بالتاريخ الهجري
رقم ... الاسم ... الولادة ... الوفاة ... ملاحظات
1.... نافع المدني، وهو نافع بن عبد الرحمن ابن أبي نعيم الليثي، مولى الليثي، أصله من أصفهان. ومن أشهر
(1) إسماعيل، القراءات ص 94.
(2) ابن الجزري، النشر ج: إسماعيل، القراءات ص 67 - 84.