شيئا إضافيا وهكذا دواليك. وقد تكتشف الأجيال القادمة في المستقبل مدلولات لم نصل إليها في عصرنا الحاضر، رغم الجهود المكثفة للكشف عن ثرواتها الدلالية.
يظهر التعدد في صور مختلفة، التراكيب النحوية، والمضمونات ذات المدلولات المتعددة. وجدير بالذكر أن تأثير اختلاف القراءة، كما اتضح في الفصل الثاني، محدود جدا على فهم مضمون الآيات القرآنية.
ويقسم الشاطبي معاني القرآن الكريم والكلام العربي عامة إلى معان أصلية ومعان تابعة. ويقول بأن معاني الألفاظ في القرآن قد تتعدد، وهناك المعنى الحقيقي والمجاز، واللفظ العام المقصود به الخاص، واللفظ في السياق المحذوف الذي لا يظهر المعنى بدونه، والمعاني المتعددة المتضادة. [1] ويضيف المراغي بأن هناك ألفاظا مشتركة ومعانيها مختلفة، والجملة قد يختلف معناها باختلاف الظروف أو باختلاف أوجه الإعراب. [2]
وفي القرآن الكريم آيات محكمات كما فيه متشابهات. يقول تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون آمنا به. كلٌ من عند ربنا، وما يذكر إلا أولوا الألباب.} [3] والمحكم يسهل تفسيره والمتشابه يصعب تفسيره.
فآيات الأحكام في القرآن مثلا، تنقسم إلى درجات متفاوتة من حيث صراحتها في الدلالة على معنى محدد، ومن حيث قابليتها للتعدد في المدلولات. وكذلك الأمر بالنسبة لآيات الأخبار بأنواعها فإنه يغلب عليها الشمولية والاختصار في الوصف، ولا تخلوا من الصور الدقيقة المحددة. ولهذا فإن نصوص القرآن الكريم تترك مجالا واسعا لنمو المدلولات من حيث التعدد ومن حيث التعمق، ومن حيث التفصيل. فمدلولاتها تتنوع بتنوع اهتمامات القارئ، وتنوع ثقافته وحجمها وعمقها، وهي تنمو مع نمو ثقافة القارئ، ونمو اكتشافات الإنسان للسنن الكونية وللظواهر الطبيعية ونمو عملية النشر.
إن الأمثلة كثيرة على تعدد المدلول والصورة. فمعظم الآيات التي تقص علينا ما جرى قبل خلق آدم عليه السلام، وما يجري بعد الممات، ويوم القيامة وفي الحياة الآخرة هي من الآيات التي قد تتعدد فيها الأفهام وتختلف فيها عند التفصيل. ويصعب الجزم فيها بشيء إلا أن تسندها نصوص أخرى في القرآن الكريم أو في السنة النبوية أو الاكتشافات العلمية الموثقة. وتنطبق هذه الحقيقة على معظم الآيات التي تشير إلى السنن الكونية، وعلى كثير من آيات الأحكام. [4] ومثال الذي يختلف في تفصيله المفسرون كلمة السماوات السبع والأرضين السبع، في مثل قوله تعالى: {الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} . [5]
(1) حسين، في مهنا ص 35 - 37؛ رضا ص 35.
(2) المرغي، في مهنا ص 61.
(3) سورة آل عمران: 7.
(4) انظر كتب الأصول مثل ابن تيمية؛ عبد الحميد، دراسات؛ التركي، الزحيلي.
(5) سورة الطلاق: 12.