القرآن الكريم، من باب أولى أن يتعدد فهمها أو يقصر عنها الفهم. والله وحده المحيط بها إحاطة تامة، وهي محفوظة عنده سبحانه وتعالى، بما في ذلك معاني الآيات التي وردت فيها قصص الأنبياء الذين كانوا يتحدثون بلغات غير العربية، ورواها القرآن باللغة العربية.
عند الحديث عن مناهج أو قواعد التحقق من مصداقية النصوص والأخبار الماضية يجب أن يتنبه الباحث إلى حقيقة بدهية، وهي ضرورة التفريق بين طبيعة المادة العلمية ومناهجها. فهل هي نصوص القرآن الكريم التي تشترط التواتر لفظا ومعنى؟ أو هي نصوص السنة التي يختلط فيها اللفظ البشري مع اللفظ المقدس؟ أو هي كتابات بشرية في صورة مخطوطة؟ أو هي روايات تاريخية عن أنشطة بشرية؟ فهذه المواد العلمية تختلف من حيث الطبيعة، ومن حيث الأهمية. ولهذا تحتاج كل واحدة منها منهجا يناسب طبيعتها، وأهميتها، من حيث الدقة والصرامة في الفحص، تتدرج بين الدقيقة جدا إلى أدنى درجات الدقة.
ولو مثلنا لعملية التحقق بشيء محسوس سنجد أن المنخل أو الغربال هو أفضل ما يمثلها. والغرابيل أنواع، من حيث دقتها وصرامتها في تمرير المادة المنخولة. وهي في حالة التراث الإسلامي تتدرج بين طرفين، أحدهما يعتمد على النقل بصرامة، والآخر يتحكم فيها العقل الذي ميز الله به الإنسان:
دقيق وصارم::: متساهل
القرآن ... السنة المخطوطة الرواية التاريخية
فمنهج علماء القراءات مناسب لنصوص القرآن الكريم، ومنهج المحدثين مناسب للأحاديث النبوية، ومنهج تحقيق المخطوطات والوثائق مناسب للمخطوطات والوثائق البشرية، ومنهج المؤرخين مناسب للروايات التاريخية.
نعم، هناك صفات تشترك فيها جميع هذه المناهج، ولكن هناك صفات يشترك فيها بعضها فقط. وهناك صفات ينفرد بها كل واحد منها. وكثيرا ما يغفل عن هذه الحقيقة حتى المتمرسون في مناهج الأبحاث التحقيقية، أو المتشدقون بها نظريا. فعملية التحقق درجات متفاوتة من حيث الدقة والصرامة.
فمثلا لو طبقنا منهج التحقق من قراءات القرآن الكريم على الأحاديث النبوية لما سلم منها سوى حديث واحد، وهو"من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". [1] تنطبق عليه صفة التواتر لفظا ومعنى. أما بقية السنة النبوية، فبالنسبة لهذا المنهج هي من"الشوائب"، غير معترف بها رسميا، وكأنه لا وجود لها. وذلك لأن شرط التواتر اللفظي لا يتوفر في نصوص السنة، فمعظمها وصف بشري لأفعال النبي، صلى الله عليه وسلم، وتقريراته؛ وكثير منها إعادة صياغة لأقواله. وهذا يعني أنه"لا تعاليم ولا أحكام تفصيلية قابلة للتطبيق في الإسلام إلا في حدود ضيقة جدا. وإذا طبقنا منهج المحدثين على"المخطوطات البشرية"فإننا سننكر وجود كثير منها، وذلك لأن الكتب المخطوطة لا"
(1) ابن الصلاح ص 242؛ صيني، منهج أبحاث المحدثين، درجة المتواتر.