وهكذا فإن القاعدة التي تستند إليها آيتا السيف والقتال تشير بوضوح إلى التجربة المريرة التي مر بها الإسلام مع معظم المشركين في شبه الجزيرة العربية ومع اليهود الذين يعيشون في شمال غرب الجزيرة العربية وبعض النصارى ونقضهم العهود. وبعبارة أخرى فإن الآيتين تخصان هؤلاء الذين سبقت منهم محاربة الإسلام ولا يزالون يحاربونه، أو هم مذبذبون ليس لهم موقف ثابت وواضح، حتى مع وجود معاهدات معهم. وهو احتمال قوي فلماذا رجّح الكثير الاحتمال الآخر وهو كون الآيتين عامتين، مع أن الاحتمال الأخير ليس عليه دليل قطعي الدلالة من الكتاب أو السنة؟
إن الحل الذي يخرجنا من دوامة هذه التساؤلات هو ترجيحنا لاحتمال أن آية السيف وآية القتال آيتان خاصتان بالمشركين وأهل الكتاب الذين تعامل معهم الرسول صلى الله عليه وسلم وورد وصفهم في سورة براءة، وكل من تنطبق عليه الصفات نفسها في كل زمان ومكان. [1] وبالمراجعة الدقيقة للنصوص ولسياقاتها يجد الإنسان أن الأرجح أن الآية خاصة بالمعاهدين الذين نقضوا عهودهم فقط، سواء كان العهد مقيدا بمدة محددة أو مطلقة. ومن يتأمل فقط في الآيات الثلاث عشرة الأولى من سورة التوبة تظهر له هذه الحقيقة جلية. فالآية الرابعة تصفهم -في معرض وصف المستثنين- بأنهم ينقضون العهد ويظاهرون على المسلمين. وتصفهم الآيات الثامنة إلى العاشرة بأنهم اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ويصدون عن سبيله ولا يرقبون في المؤمين إلًا ولا ذمة. [2] وتصفهم الآية الثانية عشرة بأنهم ينكثون أيمانهم ويطعنون في دين المسلمين. ويقول تعالى في الآية الثالثة عشرة: {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة ... } وكما هو واضح، فإن جميع الآيات السابقة أجمعت على صفة واحدة هي نقضهم للعهود. فهؤلاء هم الذين يستحقون نبذ عهودهم إليهم بعد الأشهر الأربعة. وتزيد الاستثناءات الصريحة هذه الحقيقة جلاء، إذ يقول تعالى في الاستثناء الأول: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، إن الله يحب المتقين.} ، ويقول تعالى في الاستثناء الثاني: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إن الله يحب المتقين.} ، فالاستثناء الأول يخص من لهم عهد محدد والاستثناء الثاني يخص من لهم عهد مفتوح. وبهذا ورد التأكيد على صفة نقض العهد سبع مرات في ثلاث عشرة آية فقط. فهل هناك وضوح أكثر من هذا؟ فالمتأمل في السورة يجد ما يلي:
1 -هناك تشريعات لا تتعارض مع شيء مما نزل قبل هذه الآية، أو شيء فعله الرسول، صلى الله عليه وسلم، أو قاله أو أقره، وتتمثل في قوله تعالى: يا أيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد
(1) يلاحظ أن هناك فرقا بين القول بأن هذه الآية نزلت في حالة خاصة محددة وانتهت مثل قوله تعالى:
فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي
عدوا، إنكم رضيتم بالقعود أول مرة ... (التوبة: 83) وبين القول بأن هذه الآية نزلت في حالة لها
شروطها التي قد تتكرر بشروطها، مثل عدم الصلاة على جنازة المعروف بنفاقه في الآية التالية لهذه الآية.
(2) "لا يرقبو ... إلا ولا ذمة"وردت في الآية الثامنة وفي العاشرة أيضا.