ولكن مما يثير الحيرة أن ابن القيم يقول في الكتاب نفسه:"فلما بعث الله رسوله استجاب له ولخلفائه من بعده أهل هذه الأديان [اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة والمشركون] طوعا واختيارا، ولم يكره أحدا على الدين، وإنما كان يقاتل من يحاربه، وأما من سالمه وهادنه فلم يقاتله، ولم يكرهه على الدخول في دينه، امتثالا لأمر ربه سبحانه وتعالى حيث يقول: {لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي} . [1] وهذا نفي في معنى النهي أي لا تكرهوا أحدا على الدين ..." [2]
حادي عشر - هل صحيح ما يقوله بعض أعداء الإسلام: إن الإسلام انتشر بالسيف؟ أو أن الإسلام تمسكن مدة عشرين سنة وعندما تمكّن كشّر عن أنيابه؟ إن هذا الادعاء، سيجد له أساسا إذا قلنا بأن الإسلام لم ينتقل من مرحلة الصبر والتسامح مع المعتدين إلى مرحلة الدفاع وصد الاعتداء ومعاقبته فحسب، وإنما انتقل إلى مرحلة الهجوم على الكافرين -حتى المحايدين أو المناصرين للمسلمين- ابتداء.
ثاني عشر - إن الواقع يؤكد أن غير المسلمين ينقسمون إلى محايدين ومناصرين للمسلمين أو معادين. [3] والمسلمون إما غالبون لغيرهم أو مساوون لهم أو مغلوبون. فإذا قلنا بأن التشريعات الإسلامية انتهت إلى حيث إما أن يسلم غير المسلمين أو يستحقون عداوة المسلمين فإن هذا سيعني أحد احتمالين. أحدهما، أن الله يُشرع مكافأة حياد غير المسلمين ومناصرتهم للمسلمين بالعداوة، أي مقابلة الحسنة بالسيئة. فهل يعقل هذا والله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي:"يا عبادي. إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما." [4] والآخر، أن الله لم يُشرع شيئا لحالة حياد غير المسلمين ومناصرتهم المسلمين. فإما أن يعيش المسلم قاهرا لغيره أو مقهورا. فهل يُعقل هذا والله سبحانه وتعالى يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا.} ؟ وقد جاءت هذه الآية في سياق مجموعة من الأحكام. [5] وهل يعقل أن الله الحكيم يشرع قانونا دوليا يسند الأقوياء المتسلطين على الضعفاء المسالمين؟
ثالث عشر - هناك من العلماء من قيد"المشركين"في الآية الأولى من سورة براءة بالمشركين الذين نقضوا العهد وظاهروا على المسلمين. ويذكر الطريقي من هؤلاء: الزمخشري والبيضاوي والنسفي. [6] ويؤكد ابن تيمية هذا الرأي بقوله إن الآية مرتبطة بما قبلها، أي أن البراءة كانت إلى المعاهدين الذين لهم عهد مطلق غير مؤقت أو كان مطلقا ولم يوفوا بموجبه، بل نقضوه. ويقول ابن القيم في تعليقه على آية السيف بأن"البراءة خاصة بالمعاهدين كما قال تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} ولم يقل (إلى جميع المشركين) ". [7]
(1) البقرة: 256.
(2) ابن القيم، هداية الحيارى، تحقيق الحاج ص 237.
(3) انظر مبحث"مؤيدون للمسلمين ومحايدون"في الفصل الثاني.
(4) مسلم: البر والصلة، تحريم الظلم.
(5) المائدة: 3.
(6) الطريقي ص 115؛ وانظر قول ابن عمر أن القضاء على الفتنة لا يعني خضوع جميع الناس للإسلام
في العسقلاني ج 8: 160 - 161.
(7) آل محمود، مجموعة رسائل ص 121 ابن القيم، أحكام أهل ص 487.