رابع له فإنه يتعارض مع التكليف ومستلزماته. [1] وهو نوع من الإكراه واضح إن لم يكن عينه. فما المخرج من هذا التعارض بين الحرية التي أجازها الله لإبليس في فترة الامتحان (الحياة الدنيا) وما ندعيه من الإنكار لهذه الحرية؟
عاشرا- تصنيف غير المسلمين يحتاج إلى مزيد من الوضوح، حتى بالنسبة لعهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعند نزول الآيتين السابقتين. ولعل تقسيم ابن القيم -الذي يؤيده فيه سيد قطب والغضبان [2] يعكس هذه الحقيقة. يقول ابن القيم:"فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة. ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام. فصاروا قسمين: محاربين، وأهل ذمة، والمحاربون له خائفون منه. فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب". [3]
والواضح أن ابن القيم إنما يصنف فقط أولئك الذين علموا بالإسلام وتعاملوا مع المسلمين أو علموا عن قوتهم. وهناك الكثير ممن لم يعلم شيئا عن الإسلام حتى في العصر الحاضر. فما حكم من لم يعرف عن الإسلام شيئا ولم يتعامل مع المسلمين أو يعرفهم أو ليس له أي موقف؟ هناك من لا دين له، ولا موقف له تجاه أي دين ويرى حرية الأديان، ما دام لا ينتج عنها اصطدام. ولا يرى مانعا في أن يتعاون الأفراد المختلفون في الديانة في كثير من شؤون الحياة، أو أن تتعاون الدول ذات الديانات المختلفة، فيما يحقق لهم مصالح مشتركة كثيرة، وتحترم كل دولة ديانة الأخرى وتراثها الفكري والحضاري. وهذا التعاون بين الدول يكثر في صورة الاتفاقيات الثنائية الدولية. ففي أي صنف يقع هؤلاء؟ وهذا النوع من التعاون موجود في الواقع حتى بين الملتزمين من المسيحيين والمسلمين من مواطني الدولة الواحدة، وهي أكثر بروزا بين المسلمين والدول ذات الاتجاه العلماني المعتدل؟
فهذا التصنيف فيه غموض ولاسيما صنف"مسالم له آمن". هل المقصود به جماعة مستقلة بذاتها، توادع المسلمين على أن لا يكون بينهم حرب ولا إعانة للأعداء، أم المقصود جماعة تدفع للمسلمين خراجا أو جزية؟ فإذا كان المقصود الأخير فهذا يفيد أن ابن القيم يتجه إلى أن الإسلام أصله الحرب. وهو بخلاف ما فهمه بعض العلماء من قوله هذا وأقواله الأخرى التي لا تخرج عن هذا المعنى. [4] ويؤكد ابن القيم موقفه هذا بقوله أيضا:"... ثم لما نزلت براءة سنة ثمان أمره بقتال جميع من لم يسلم من العرب: من قاتله، أو كف عن قتاله إلا من عاهده، ولم ينقض من عهده شيئا، فأمره أن يفي له بعهده ... ثم أمره بقتال أهل الكتاب كلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية." [5] ويؤكد موقفه هذا أيضا قوله:"إن القتال كان محرما، ثم مأذونا به، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به لجميع المشركين إما فرض عين على أحد القولين، أو فرض كفاية على المشهور." [6] ويقول ابن القيم في مقدمة كتابه هداية الحيارى:"والسيف إنما جاء منفذا للحجة، مقوما للمعاند، وحدا للجاحد."وفي موضوع آخر يقول""فدين الإسلام قام بالكتاب الهادي، ونفذه السيف الناصر." [7] "
(1) إسماعيل، كشف الغيوم عن القضاء والقدر.
(2) سيد قطب، في ظلال ص 1578 - 1579؛ الغضبان ص 20 - 21.
(3) ابن القيم، زاد، ج 3: 160.
(4) ابن القيم، أحكام ص 17 - 18؛ مثلا: الطريقي 126 - 127؛ الزحيلي، آثار ص 110.
(5) ابن القيم، زاد ج 5: 90 - 91.
(6) ابن القيم، زاد ج 3: 71؛ وقد فهم الزحيلي، آثار ص 110 هذا القول بأنه يتجه إلى السلم.
(7) ابن القيم، هداية، تحقيق الحاج ص 232، 233.