وأجاز علماء المسلمين -عبر العصور وإلى يومنا هذا- زواج المسلم بالكتابية بشروطها. فلماذا لم تنسخ آية القتال هذا الزواج، ولاسيما مع اعتقاد البعض بأن من أوثق دعائم العقيدة الإسلامية بغض الكافرين ومعاداتهم [1] ، ومع إثبات الله المودة والرحمة بين الزوجين بالفطرة؟ [2]
سابعا - لقد أورد ابن الجوزي في كتابه"المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ"اثنتين وثمانين آية تنسخها آية السيف وثلاث آيات تنسخها الآية التاسعة والعشرون. وهذا يعني أن ما ورد في غير المصفى أكثر من هذا. ويفند ابن الجوزي القول بنسخ أكثر من خمسين آية منها. ولكن طريقته في التفنيد ليست هي التخصيص لمدلول الآيتين، بل إيراد مدلولات بديلة للآيات المُدّعى نسخها. ولاشك أن كثيرا من المدلولات البديلة التي جاء بها ابن الجوزي قوية، وإن كان كثير منها ليس بأقوى من تلك التي يأخذ بها القائلون بالنسخ.
والسؤال لماذا نجدّ في البحث عن مدلولات بديلة لآيات متضافرة على معنى واحد، تؤكد القاعدة العامة، وذلك بدلا من إعادة النظر في فهمنا للآيتين وحدهما؟ أي الخيارين أكثر معقولية وقبولا؟ الحرص على البحث عن مدلولات بديلة لأكثر من ثمانين آية والعديد من السنن الفعلية والقولية المكية والمدنية، تشمل جل فترة الرسالة، أو أن نعيد النظر في فهمنا للآيتين المذكورتين؟ لقد تمكن ابن الجوزي من إيجاد معاني بديلة لخمسين آية فقط، لا تتعارض مع الآيتين فماذا عن بقية الآيات التي تتعارض مع الآيتين حسب فهم القائلين بالنسخ؟
ثامنا - تفيد آية السيف -حسب رأي القائلين بالنسخ- بأن المشركين ليس لهم إلا القتل -في الأصل- إلا أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وهي أعمال ظاهرة. ويؤكد ابن الجوزي بأن الإيمان أمر قلبي لا يمكن أن نكره الناس عليه، وذلك في معرض رفضه القول بنسخ آية السيف لقوله تعالى: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} . [3] والمعروف أن أصل وجود المنافقين هو خوفهم الوهمي أو الحقيقي من إظهار الكفر. فأظهروا الانتماء إلى الإسلام وأخفوا كفرهم مضافا إليه كراهيتهم للإسلام وحقدهم على المسلمين والتآمر عليهم في الخفاء؟ وإكراه الناس على الإسلام يؤدي حتما إلى انتشار ظاهرة النفاق. فهل يحتمل أن تشجع أي آية قرآنية أو حديث نبوي زيادة أعداد المنافقين في المجتمع الإسلامي، ليفت في عضده من الداخل، ولاسيما أن العدو المُبطِن للعداوة أشد خطرا من العدو الظاهر المُعلِن عداوته.
تاسعا - لا يشك أحد ممن يؤمن بأي دين رباني (سماوي) أن حرية الاختيار عنصر أساس من عناصر الحياة الدنيا، ولولاها لم يكن التكليف ولم تكن هناك حاجة إلى أنبياء ورسل وهدى رباني، ولم تكن هناك حاجة إلى البعث أو الحساب يوم الدين، ولم تكن هناك حاجة إلى جنة ونار وخلود فيهما. ولما منح الله إبليس المهلة والفرصة لإغواء من يطيعه من العباد. ولو كان قتال الكافرين واجبا لمجرد كفرهم لما منح الله لإبليس تلك المهملة والفرصة؛ والله قادر على حرمانه منها. والقاعدة العامة متسقة مع هذه الحقيقة التي لا تنكر. أما القول بأنه: إما الإسلام، أو القتل في الأصل، أو القول إما الإسلام أو جزية يدفعها المخلوق المكلف وهو صاغر، وإما مُحارَب من المسلمين، ولا خيار
(1) العلياني، 350.
(2) الروم: 21.
(3) ابن الجوزي، المصفى ص 38 والآية يونس: 99.