القتال ... فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح من قتله أو استعباده أو المن عليه أو مفاداته بمال أو نفس، عند أكثر الفقهاء، كما دل عليه الكتاب والسنة وإن كان من الفقهاء من يرى المن عليه ومفاداته منسوخا. فأما أهل الكتاب والمجوس فيقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.""
يؤكد هذا القول وجود الاختلاف في الحكم على الكافر من جهة، ومن جهة أخرى فإن قول ابن تيمية هذا يُفهم على وجهين: 1) وجود الإكراه في الدين، ولاسيما إذا نظرنا إلى عباراته:"فمن امتنع من هذا قوتل"و"أوجبت الشريعة قتال الكفار". ولعله ينطلق في هذا من قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ... } و"فأما أهل الكتاب ..."انطلاقا من قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} . [1] 2) لا إكراه في الدين، وذلك إذا نظرنا في بقية كلامه السابق.
ويلاحظ في الجملة أن هناك غموضا في هذا القول الذي قد يرجح الحرب على السلم ولاسيما في ضوء ما ورد في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم. وقد فهمه البعض على أنه يرجح السلم ومن هؤلاء الطريقي والزحيلي. [2] ويضيف الزحيلي بأن ابن تيمية قال في تعليقه على آية"لا إكراه في الدين"إن:"جمهور السلف على أنها ليست منسوخة ولا مخصوصة، وإنما النص عام فلا نكره أحدا على الدين، والقتال لمن حاربنا، فإن أسلم عصم ماله ودمه، وإذا لم يكن من أهل القتال لا نقتله، ولا يقدر أحد قط أن ينقل أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أكره أحدا على الإسلام، لا ممتنعا ولا مقدورا عليه. ولا فائدة في إسلام مثل هذا، لكن من أسلم قبل منه ظاهر الإسلام." [3]
سادسا - هناك نصوص بنى عليها الفقهاء -في جميع العصور- قولهم بإعفاء بعض الفئات من القتل والجزية، منهم الصبيان والمرأة والمجنون، والشيخ الفاني، والراهب المنعزل في صومعته، والفلاحون الذين لا يقاتلون، إلا في بعض الحالات الاستثنائية. [4] وعمل الخلفاء من بعد الرسول، صلى الله عليه وسلم، بهذا الاستثناء وكذلك أفتى به فقهاء الأمة عبر العصور المختلفة. كما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أثناء خلافته، لم يكره مملوكه على الإسلام عندما استدل بقوله تعالى: {لا إكراه في الدين} بل إنه أعتقه قبل أن يسلم. [5] فلماذا أُعفي هؤلاء من القتل أو الجزية؟ أ لأنهم ليسوا كفارا أم لأنهم غير مكلفين؟ طبعا. ليس هذا ولا ذاك. ولكن لأنهم لا يحاربون في الأصل. فلماذا لم تنسخ آية السيف وآية القتال هذه الاستثناءات ما دامت دلالتهما عامة؟
(1) التوبة: 5، 29.
(2) انظر مثلا الطريقي ص 126 - 127؛ وانظر الزحيلي، آثار ص 82.
(3) الزحيلي، آثار، ص 82 ويوثقه برسالة القتال ص 123 - 125 ووجدت رسالة باسم"قاعدة في قتال"
الكفار ..."لابن تيمية ملحقة برسالة عن الجهاد لآل محمود، قد تضمنت معاني مماثلة(آل محمود ج 2:"
117 -118، 120 - 121) . كما وثق الزحيلي النص المنقول بالسياسة الشرعية لابن تيمية ص 123.
ولم أجد فيه سوى النص الأول الذي تم التعليق عليه.
(4) ابن تيمية، مجموع ج 28: 354؛ ابن القيم، أحكام ص 42 - 51.
(5) العلواني ص 99؛ وابن كثير، تفسير.