هناك مصطلحات لا يقف أثرها على مدلول الكلمة، ولكنها تقوم بوظيفة خطيرة، تفرق بين الحلال والحرام في قضايا محورية ذات شأن. ومنها كلمة الولاء التي ترد في آيات متعددة، وفهمها الكثير في القرون الأخيرة على أنها تعني المحبة والنصرة بالضرورة. وهو قول يفيد بوجود التناقض في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . [1] فالآية تنفي الولاية تماما بين من أمنوا ولحقوا بالنبي، والذين آمنوا وبقوا في ديارهم، ولكنها توجب نصرة الفئة الأولى للثانية. كما أن المحبة واجبة بين المؤمنين في جميع الظروف، لأنه شعور في القلب، لا يخضع للضغوط الخارجية. فعدم الهجرة مبرر لأن لا تكون للأغلبية شيئ من الولاية (الوصاية) ولكنه مبررا لإسقاط واجب النصرة والمحبة بين المؤمنين بشروطها. ويؤيد هذا المعنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"إنما الولاء لمن أعتق". [2] فالولاء هنا لضمان حق طرف على الطرف الآخر، ولا يستوجب المحبة والنصرة بينهما. كما يتضح من الآيات المتعددة أن الشفاعة، والوقاية، والإرشاد، والعِشرة، ليست من المدلولات الأساسية للولاية، ولكن قد تضاف إليها. [3]
ويضاف إلى ذلك أن الآيات الكثيرة بسياقاتها تؤكد بأن الولاية المحرمة تقتصر على اتخاذ المسلمين أولياء من المعادين للإسلام أو للمسلمين من أجل دينهم. كما أن انعدام الولاء لا يعني ضرورة البغض أو انعدام درجات المحبة كلها، ودرجات التعاون. فقد شجّع الإسلام على تأليف قلوب غير المسلمين، والتعاون معهم لتحقيق المصالح الدنيوية المشتركة. وأباح الإسلام الاستعانة بهم وبعلومهم وبخبراتهم ... ما لم يؤثر ذلك سلبا على مصير المسلم في الآخرة. [4]
ويلاحظ أن المدلول الأساس لكلمة"الولاء"ولمشتقاتها هو وجود نوع من السلطة والوصاية لطرف على طرف آخر. ويمكن أن نطلق كلمة"مولى"و"ولي"على الطرفين، أي الوصي والموصى عليه. [5] ويلاحظ أنه لا فرق بين الوِلاية بالكسر والوَلاية بالفتح في المعنى الأساس. [6] فهنا تتضافر الأدلة من القرآن، واللغة، والعقل على فساد تعريف الولاء بالمحبة والنصرة.
وهناك مصطلح آخر أسيء فهمه هو البراء، وله مثل خطورة كلمة الولاء. فقد شاع أنها تعني بالضرورة العداوة والبغضاء. وأما عند مراجعة الاستعمالات القرآنية سنجد أنها لا تتضمن -بالضرورة- العداوة والبغضاء لمن يقوم بشيء يستوجب البراءة. فالأصل فيها هو نفي الصلة أو قطعها مع الشيء المتبرئ منه. ومن الأدلة على ذلك ما يلي:
(1) سورة الأنفال: 72، وانظر السور: الحج: 78؛ وانظر البقرة: 107؛.
(2) البخاري: العتق، من ملك من العرب.
(3) انظر مثلا كلمة"ولي"في ونسك، المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي 7: 322 - 325.
(4) ابن تيمية، فتاوى ج 4: 114 - 116؛ ابن القيم، أحكام ص 277 - 400؛ أيوب ص 90 - 92؛ حقيقة العلاقة ين
المسلمين وغير المسلمين؛ صيني، العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين.
(5) ابن منظور، لسان العرب، ولي؛ وانظر أنيس وزملاؤه، الموالاة، والموالي.
(6) وانظر مثلا ابن منظور؛ صيني، المبادئ الإسلامية في التعامل ص 94 - 127.