فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 184

والشقاوة، كما تقدم علمه وكتابته لغير ذلك من أحوال العباد وغيرهم" [1] ،"وجميع الأسباب قد تقدم علم الله بها وكتابته لها، وتقديره إياها، وقضاؤه بها، كما تقدم ربط ذلك بالمسببات." [2] "

ويميز ابن القيم بين خمسة من أنواع التقدير: كتابة تقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وتقدير أمور العباد، وتقدير مستقبل الجنين، وتقدير ليلة القدر، والتقدير اليومي. [3]

وعن العلاقة بين هذه التقديرات يقول بأن"كل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق. [4] ولكن لعل ما قاله ابن تيمية أرجح وهو أن ما سوى التقدير الأول المكتوب في اللوح المحفوظ ليس إلا عملية إحاطة للملائكة المكلفين بشؤون العباد مما يخصهم منها. [5] ولهذا فإن هذه التقديرات الأخيرة قد تتغير كما ورد في قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [6] "

ولقد كشف القرآن الكريم والسنة النبوية عن بعض هذه الغيبيات المستقبلية مثل مصير الأنبياء في الآخرة، ومصير أبي لهب وامرأته [7] ومصير العشرة المبشرين بالجنة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. [8]

وبهذا يتضح أن"الكتابة"في هذه النصوص تعني تسجيل واقع الأشياء أو وصفها مرتبطة بالعلم الرباني المطلق. وهي تختلف عن"الكتابة"في سياق النصوص التي تتحدث عن الإرادة الكونية. وبهذا يتضح أن القدر بما فيه من خير وشر لا يتعارض مع قدرة المخلوق المكلف على الاختيار. فهناك فرق بين أن يعلم الله ما سيفعله العبد بالضبط سلفا ويسجل ذلك، وبين أن يجبره على ما يفعله. ويعجب ابن تيمية من قوم يحتجون بالقدر عندما يعصون الله فيما أمرهم؛ ويرفضون القدر عندما يقع عليهم اعتداء من الآخرين. فهم يحرصون على معاقبة المعتدي والانتقام منه؛ ولا يعذرونهم بالقدر كما يعذرون أنفسهم به. [9]

وأما ما ورد من قول آدم عليه السلام لموسى عليه السلام:"يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علَىّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة." [10] فهو من نوع المعاتبة بالأسلوب المماثل. فكلاهما يعرفان حقيقة القدر. وقد يكون أيضا من قبيل التصبر على ما وقع منه وأدرك خطأه فيما بعد، وليس من قبل الاحتجاج بالقدر لإعفاء النفس من المسئولية أو للاستمرار في فعل المعصية. فقد اعترف آدم بذنبه وتاب منه، إذ يقول تعالى على لسانه ولسان حواء: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.} [11] والتصبر بالقدر عند وقوع المصيبة جائز، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من"

(1) ابن تيمية، مجموع فتاوى ج 8: 274، وانظر الصفحات 272 - 296.

(2) ابن تيمية، مجموع فتاوى ج 8: 277.

(3) ابن القيم، شفاء ص 7 - 24.

(4) ابن القيم ص 24.

(5) ابن تيمية، مجموع ج 8: 399، ج 14: 488 - 492.

(6) الرعد: 39؛ وانظر ابن تيمية، مجموع ج 8: 517، 540؛ والأشقر ص 67.

(7) وانظر المسد: 1 - 5.

(8) ابن الأثير ج 8: 562 - 566.

(9) ابن تيمية، مجموع ج 8: 107؛ 248 - 250.

(10) البخاري: القدر، تحاج آدم موسى.

(11) الأعراف: 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت