فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 184

الواحد. وكان نقله إلى الآخرين واحدة من الوظائف الرئيسة التي قام بها الصحابة الذين انتشروا في كافة أنحاء الدولة الإسلامية، ومنهم من يحفظ القرآن كله.

فتم حفظ القرآن الكريم بألفاظه ونطقه في الذاكرة، وتم نقله بين الراوي والمتلقي بالرواية الشفوية المباشرة بينهما. ولهذا كان من الطبيعي أن يسند الله هذه الوسيلة بنظام تطبيقي، مثل الحث على حفظه بالغيب، وكثرة مراجعته، بصورة علنية، وسط جمهور يتفاوت عدده، وكمية ما يحفظه من القرآن، ودرجة إتقانه في التلاوة. ويتمثل هذا النظام الدوري: اليومي، والأسبوعي، والسنوي، الذي يقوم بوظيفة التحفيظ والنقل ونقاط"التفتيش"الصالحة للمجتمع الأمي، فيما يلي:

1.فرض قراءة بعض الآيات في الصلاة، سواء أكان المسلم يفهم العربية أو لا يفهمها. فالمسلم مطالب بأداء خمس صلوات يوميا، يقرأ فيها سورة الفاتحة وعدد من الآيات من ذاكرته. وجعل لحفظه غيبا أجرا كبيرا.

2.جعل القراءة جهرا في ثلاث من الصلوات المفروضة يوميا، لتكون نقاط تفتيش دورية مكثفة، تقوم بوظيفة صمامات الأمان لاكتشاف الأخطاء ولضمان حفظ أصالة القرآن. فقد لا يحفظ أحد المصلين إلا سورا معدودة، يتقنها، ويخطئ الإمام الذي قد يكون حافظا للقرآن كله، في لفظ منه، فيرد عليه، على مسمع من المصلين الآخرين، فيستفيد الإمام وبقية المصلين.

3.أوجب صلاة الجمعة، وسن القراءة الجهرية في صلاة التراويح الجماعية وفي صلاة العيدين جماعة، وحث على صلاة التهجد، لتكون وسيلة أسبوعية وسنوية لحفظ القرآن.

4.حث على كثرة تلاوة القرآن. يقول الله تعالى: { ... وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ ... } [1] وثبت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قوله:"إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم ... اتلوه. فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات. أما إني لا أقول ألم حرف، ولكن ألف ولام وميم." [2] ومن الواضح أن الأمر"اتلوه"لا تعني ترديده، مجردا من أقل درجات التجويد. فالله سبحانه وتعالى يأمر بترتيله: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا.} [3] فالترتيل مطلوب، وإن لم تكن الصلاة فريضة. ومن المعلوم أن الحد الأدنى من الوقت لقراءة الجزء الواحد بالتجويد من الذاكرة يستغرق بين الثلث ساعة إلى الربع ساعة. وهذا يعني أن من يدَّعي ختم القرآن في ركعة واحدة معناه أنه وقف منتصبا"مصلوبا"حوالي سبع ساعات، على أقل تقدير، لأن المحافظة على وضع الخشوع مطلوب في الصلاة!

5.جعل الاستشهاد بنصوص القرآن الكريم سنة في خطبة صلاة الجمعة الأسبوعية، وفي الدروس الدينية الشفوية والمكتوبة.

(1) سورة النمل: 91 -92.

(2) النيسابوري، المستدرك على الصحيحين ج 1: 741؛ مسلم، صحيح ج 1: 549؛ الدارمي، سنن ج 2: 523.

(3) سورة المزمل: 2 - 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت