الصّحُفَ إلى حَفصَةَ وَأَرسَلَ إلى كل أفُقٍ بِمصْحَفٍ ممَّا نَسَخوا وأَمَرَ بمَا سوَاهُ من الْقرْآنِ في كل صَحيفَةٍ أو مصْحَفٍ أنْ يُحْرَقَ. [1] لقد كان قرار الخليفة الثالث عند الاختلاف اعتماد لسان قريش في منتهى الحكمة، ليس فقط للسبب الذي احتج به فحسب، ولكن لأن لهجة قريش تُعد مثل اللغة الرسمية، لتفاعل اللهجات بها، أخذا وعطاء، في موسم الحج. [2]
ويؤكد السيوطي القول بأن هدف الخليفة الثالث هو توحيد المسلمين على نسخة موحدة. وأما الجمع في مجلد واحد فقد قام به زيد في عهد أبي بكر الصديق. ويقول رواية عن العسقلاني أن النسخ والتعميم لم يكن عام ثلاثين، ولكن كان في سنة خمس وعشرين، أي بعد أربعة عشر عاما من وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم. وكان عثمان يتعاهدهم فكانوا إذا تدارؤوا في شيء أخّروه، لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة، فيكتبونه على قوله. ويروي ابن أبي داود بسند صحيح أن عليّا، الخليفة الراشد الرابع، قال: لا تقولوا في عثمان إلا خيرا. فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا. قال: ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك. وهذا يكاد يكون كفرا؟ قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف. قلنا: نِعْم ما رأيت. وعن الفرق بين ما عمله حذيفة ولجنته في عهد أبي بكر وفي عهد عثمان يقول ابن التين وغيره: الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب جملته، لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد، فجمعه في صحائف، مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي، صلى الله عليه وسلم. وأما جمع عثمان كان لمّا كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش، محتجا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وُسِّع قراءته بلغة غيرهم، رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر. فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة. [3]
وسواء أكانت القراءات التي اختلف عليها الناس من القراءات المجازة العشر أم لم تكن منها، فقد جاء مصحف عثمان ليزيل الزيادات الطارئة أو التي تخرج عن العرضة الأخيرة. وهذا سبب وجيه في استبعاد بعض القراءات المحدودة التي كان بعض كبار الصحابة يقرأون بها، وأثبتها بعض المحدثين، ومنهم البخاري في صحيحيه. [4]
وجاءت النسخ التي تم نسخها وتعميمها على المناطق الإسلامية، في عهد عثمان ابن عفان، رضي الله عنه، فوضعت إطارا مجسدا للقراءات، فاستبعدت بعض المنتشر قبلها، وفرضت الحماية على الثابت منها بعد التوحيد.
(1) البخاري، صحيح البخاري ج 4: 1908؛ ومن الواضح هنا أن اللجنة التي ألّفها عثمان لم تنقل كل القراءات
التي كانت موجودة في المصحف الذي تم جمعه في عهد أبي بكر الصديق، فهدف لجنته هو التوحيد،
وليس الحصر للقراءات. وهذا يختلف عن حذف بعض الآيات أو الكلمات الأساسية من القرآن.
(2) انظر مثلا: سالم، القراءات ص 29 - 33، والمراجع التي اعتمد عليها.
(3) ابن الجزري، النشر ص ح 1: 22، 31؛ السيوطي، الإتقان ج 1: 165 - 166؛ الجديع المقدمات الأساسية.
(4) ابن الجزري، النشر في القراءات ج 1: 8، 14؛ جعفر، القرآن ص 201 - 274.