فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 184

القتل. ويقول تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، فان انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [1]

يحتج القائلون بالصيغة المرققة لجهاد الطلب بالآيات السابقة، حيث يقول أبو زهرة بأن من بواعث الجهاد:"... أن يعتدي الملوك على عقيدة من تحت سلطانهم ممن اختاروا الإسلام دينا فيرهقوهم في عقيدتهم الدينية. وإن الدعوة الإسلامية نور لا يحجب، فلا بد أن تفتح الأبواب له، وقد وقف الحكام له بالمرصاد يمنعون أن يصل إلى رعاياهم، فكان لا بد من القتال لإزالة الحجزات التي تمنع النور أن يصل ولمنع الاضطهاد أن يقع حتى لا تكون فتنة في الدين." [2] ويلاحظ أن قول أبي زهرة، ومن يؤيده"ولمنع اضطهاد أن يقع"يؤيده قوله الله تعالى الذي ينص على النصرة المشروطة بأن لا تكون ضد قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق. ولكن"إزالة الحجزات التي تمنع"أي التي تمنع الدعوة إلى الإسلام لم يورد عليها أبو زهرة دليلا، ولم أجد لها دليلا مباشرا فيما قرأت. ومن يراجع الأدلة التي ساقها أبو زهرة واستشهد بها الزحيلي وغيره [3] يلاحظ ما يلي:

1 -الأدلة تفيد بأن الجهاد (بمعنى القتال) مشروع للرد على اعتداء قد وقع من غير المسلمين ابتداءًا أو بخيانة لعهد مبرم أو لاعتداء حتمي الوقوع. وهذا لا خلاف فيه.

2 -الأدلة لا تفيد بأن على المسلمين أن يقاتلوا ابتداء لضمان حرية الدعوة إلى الإسلام، سواء كانت الحواجز حكومات أو أفرادًا. واستدلال الزحيلي وغيره بالأمر بالقتال حتى يكون الدين كله لله يرد عليه ما ورد في التعليق على الآية. [4]

وقول أبو زهرة والزحيلي ومؤيديهم يفترض أن معظم الناس -إن لم يكن كلهم- سيسلمون إذا لم تقف الحكومات عقبة في طريق وصول الدعوة إليهم. وهو بخلاف الواقع الذي عرفناه عبر العصور المختلفة والذي يؤكده القرآن الكريم في قوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [5] وفي قوله تعالى: {إن في ذلك لآية وما أكثرهم مؤمنين} . [6] وتجيء هذه الآيات عقب قصص أنبياء الله: يوسف، وموسى، وإبراهيم ونوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب عليهم السلام. وذلك تقريرا لحقيقة كونية وعزاءًا للنبي، صلى الله عليه وسلم.

وليس في الكتاب والسنة ما يؤيد هذا القول. بل هناك دليل على أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قبل شرط قريش بدخول مكة دون دعوة أحد إلى الإسلام. [7] كما يحكمها كون الحكومة المانعة للدعوة تمثل شعبها تمثيلا صادقا أو لا تمثله ...

(1) الأنفال: 72؛ الحج: 39؛ البقرة: 191 - 193.

(2) أبو زهرة، العلاقات ص 50؛ الزحيلي، العلاقات ص 31؛ وانظر أبو زهرة، العلاقات ص 49 - 50.

(3) أنظر مثلا: علي ص 43 - 48؛ ضميرية ص 129؛ عواد ص 31 - 36؛ الدقس ص 155؛ وهبة ص

35 -44؛ الصعيدي ص 33.

(4) انظر مبحث"الأدلة الأخرى".

(5) يوسف: 103؛ وانظر الطريقي، الاستعانة ص 104 - 105.

(6) الشعراء: 8، انظر الآية نفسها تتكرر في 67، 103، 121، 139، 158، 174، 190.

(7) البخاري: الجزية، الموادعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت