فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 184

فينتج منها دواء. ويغير مقادير المواد نفسها ويخلطها فتنتج سمًا. [1] فالله خالق هذه المواد الكيماوية وخالق السنن الكونية (القوانين الطبيعية) التي تحدد العناصر والكميات (الأسباب) التي تنتج الدواء أو السم (النتائج الحتمية) . بل هو الخالق أيضا للصيدلي وقدراته ومعلوماته ...

وبعبارة أخرى، أعطى الله المخلوق المكلف القدرة (الجسمية والعقلية والمعرفة وحرية الاختيار ... ) على أن يصنع من هذه المواد التي خلقها الله أشياء، قد تُعد خيرا أو شرا، في ضوء التشريعات الربانية وفي ضوء الفطرة التي فطر الله المخلوقات عليها.

والإنسان عندما يصنع هذه الأشياء، لا يخلق أشياء من العدم أو يبتكر أفعالا لم يخلقها الله، ولكن يختار تنفيذ أشياء خلقها الله، تتراوح بين أشياء يحبها الله من طرف ويبغضها الله من الطرف الآخر. وذلك لحكمٍ كثيرة، منها منح الإنسان فرصة كافية للاختيار. ولعل المثال التالي على المستوى البشري قد يوضح كيف يكون الله خالقا لكل شيء والإنسان فاعلا لبعض الأشياء ويكون مسؤولا عنها.

قد يستخدم المدرس الذي يريد اختبار طلابه الأسئلة ذات الإجابات الاختيارية فيضع عددا من الإجابات لكل سؤال. وحتى يعطي فرصة كافية للاختيار وللتمييز بين الدرجات المتفاوتة للاجتهاد وللاستفادة من الدروس، يجعل الإجابات تتراوح بين الإجابات الخاطئة تماما والإجابات الصائبة تماما، كما في الرسم المبين التالي.

إجابات صائبة تماما > ---> ---> ---> ---> ---> إجابات خاطئة تماما

فالمدرس وضع الاحتمالات المختلفة للإجابة عن السؤال، وهو يحب بعض الاحتمالات (الإجابات) ويجيز بعض الاحتمالات، ويبغض بعضها الآخر. والطالب سيجيب حسب اجتهاده واستفادته من الدروس. وقد يختار الإجابة الخاطئة، فينسب إليه الخطأ. وهو الذي يستحق صفة"المخطئ"لأنه هو المسؤول عن هذا الاختيار الخاطئ. [2] وأما المدرس فلا يلحقه أي لوم لأنه وضع بعض الإجابات الخاطئة بين الإجابات الاختيارية. بل يستحق الثناء لأنه أحسن في إعداد الاختبار وأتقنه. [3]

فالاختبار الجيد يجب أن يتضمن جميع الاحتمالات التي تقع بين الضدين. فبالليل نعرف حقيقة النهار والدرجات المتفاوتة بينهما، وبالمرض نعرف حقيقة الصحة ... ، وبالفقر نعرف حقيقة الغنى ... ، وبالفشل نعرف حقيقة النجاح ... ، وبالألم نعرف حقيقة المتعة بالعافية.

ويتضح من المثال السابق أن الخير والشر وما بينهما من احتمالات مخلوقات لله سبحانه وتعالى، خلقها وأعطى العبد فرصة كافية لممارسة صلاحياته باعتباره خليفة في الأرض (آدم وأتباعه) أو باعتباره حزبا معارضا (إبليس وأعوانه) . ويحب الله ما كان خيرا في شرعه أو بالفطرة التي فطر مخلوقاته عليها، أو يجيز ما جعله مباحا. ويحرم

(1) الدسوقي ص 275.

(2) انظر مثلا ابن تيمية، مجموع ج 8: 123.

(3) يهدف هذا المثال إلى إثبات الفرق بين خالق الشر وفاعله المتصف به؛ وانظر تكملة المثال تحت عنوان

"حرية الاختيار".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت