فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 184

السنن الكونية قادر على تعطيل أو تغيير النتيجة الحتمية للسنة الكونية بتسخير سنة أو سنن كونية أخرى متى شاء وكيف شاء. [1] ويؤكد هذه الحقيقة -أيضا- ما أخبر عنه رسول رب العالمين من قصة الثلاثة الذين دخلوا مغارة فسدّ مدخلها حجر كبير، لا يستطيعون تحريكه. فلجأوا إلى الله بالدعاء فانفرجت الصخرة شيئا فشيئا مع دعاء كل واحد منهم حتى تمكّنوا من الخروج. [2] ومن خلق هذه السنن الكونية قادر على إبطال مفعولها في أي وقت شاء وكيف شاء، كما أبطل مفعول النار التي أوقدها قوم إبراهيم عليه السلام لإحراقه، إذ يقول تعالى: {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم. وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين.} [3]

والسنن الكونية مختلفة من حيث القوة، ومتفاوتة من حيث شمولية التأثير. فالنار يمكنها تبخير الماء؛ ولكن الماء يمكنه إطفاء النار. [4] وعلى الرغم من أهمية الحرارة ومصادرها فإن الله جعل الماء عصب الحياة كلها، حيث يقول تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حيّ} . [5]

وقد تتألف السنة الكونية من عدد من الأسباب تؤدي إلى نتيجة حتمية واحدة. وقد تتكون السنة الكونية من سلسلة من السنن الكونية الجزئية (أسباب ونتائج متتابعة) تؤدي إلى نتيجة حتمية محددة في النهاية. وبعبارة أخرى. فالنتيجة الحتمية لإحدى السنن الكونية قد تكون سببا في السنة الكونية الأخرى. ومثاله كون الأب نتيجة للجد، والأب سبب في وجود الحفيد.

ومن الأسباب جميع القرارات التي قد يتخذها المخلوق المكلف في حياته الدنيوية ولكل قرار نتيجته المحددة التي خلقها الله وأحاط بها علما.

وقد خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون بما فيه من شبكة عظيمة محكمة ومتقنة من السنن الكونية تسيره بطريقة تلقائية، حيث يقول تعالى: {إنّا كل شيء خلقناه بقدر} [6] و {وكل شيء عنده بمقدار} . [7] وتتفاعل هذه السنن الكونية فينتج عن هذا التفاعل ما ندركه وما لا ندركه من الجماد، ومظاهر الحياة الأخرى مثل: النبات والحيوان والإنسان والجن والملائكة ... وتتفاعل هذه السنن الكونية فتتغير أشكال الجمادات بشكل مطرد أو غير مطرد حسب إدراكنا القاصر، وتنتقل الأشياء الحية من مرحلة النمو الأولى لتنتهي بالفناء. [8]

وهذا واضح من مظاهر الحياة حولنا. فالشجرة تبدأ ببذرة، يتم سقيها بالماء ووضعها في بيئة مناسبة، وتتعرض للهواء بما فيه من غازات متنوعة، وتتعرض للحرارة والأشعة المختلفة من خلال تعرضها للشمس ... فتنمو إلى أن تصبح شجرة ضخمة. والأعشاب تخضر مع توفر الماء في الربيع وأسباب الحياة الأخرى، وتزدهر ... ثم يأتيها الشتاء أو الصيف فتذوي وتجف ... ولاشك أن كل هذا إنما يحدث بمشيئة من خلق هذه السنن الكونية.

(1) انظر ابن تيمية، مجموع ج 8: 167 - 170؛ والأشقر 84 - 86.

(2) انظر النووي، باب إخلاص النية. وانظر الصالح، رياض الصالحين ج 1: 48 - 051

(3) الأنبياء: 69.

(4) أنظر مثلا: ابن القيم، شفاء ص 185، السعدي، العقيدة ص 167 - 170 صيني، قواعد ص 37 - 58.

(5) الأنبياء: 30.

(6) القمر: 49؛ وانظر ابن منظور لمدلولات قدر.

(7) الرعد: 8؛ وانظر ابن تيمية، مجموع 8: 133، 533 - 535.

(8) انظر مثلا: ابن القيم ص 188 - 189؛ وصيني، قواعد ص 37 - 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت