ولعل من أهم عناصر الرسالة الإقناعية بعد المضمون هو الأسلوب الذي يعالج به المضمون ويُقدّم به. ولا فرق في ذلك بين أن تكون عملية الاتصال الإقناعية هي للدعوة أو الدعاية أو الإعلان، أو لتأسيس علاقات طيبة.
والقرآن الكريم من أغنى المصادر بمثل هذه الأساليب التي ينبغي أن يتعرف عليها الإعلامي المتخصص في الرسائل الإقناعية.
وهناك جهود كثيرة قام بها علماء الإسلام عبر العصور المختلفة للكشف عن أساليب الإقناع في القرآن الكريم. ولعل من أقدمها هي الجهود المتفرقة التي تضمنتها كتب التفسير. ثم تليها الجهود التي خصصت مؤلفات مستقلة، تعتني بعلوم القرآن الكريم وفنونه، أو التي خصصت مؤلفا بأكمله لموضوع الإقناع في القرآن الكريم.
وكان من أقدم تلك الجهود البارزة ما وضعه ابن الحنبلي المولود في منتصف القرن السادس [1] . وقد جعل المؤلف كتابه في قسمين رئيسيين: قسم صنفه حسب موضوعات الجدل، وقسم آخر حسب أشكال الجدل. وتضمن الجزء الثاني من أنواع الجدل: سؤال المنع، والنقض، والقول بالموجب، والمعارضة، والترجيح، والمفهوم، وذم التقليد والمقلدين، والتجوز، والمباكتة والتشنيع، والتخصيص بالذكر لا يدل على الاختصاص في الحكم.
وأضاف السيوطي [2] إلى هذه الانواع عددا آخر مستندا إلى أقيسة المنطق، فكان منها: قياس الإعادة على الابتداء وعلى ماهو أعظم منه وقياس المنع. كما أورد من أشكال الجدل عند الأصوليين السبر والتقسيم، والتسليم، والأسجال، والانتقال، والمناقضة، ومجاراة الخصم.
واستفاد الألمعي من نوعين مما أورده بن الحنبلي وكل ما أورده السيوطي ثم أضاف إليه عددا آخر من أشكال الجدل. وكانت إضافته تتمثل فيما يلي:
الأقيسة الإضمارية، والقصص القرآني، ومطالبة الخصم بتصحيح دعواه، والاستدلال على الخصم بإظهار مكابرته، وإبطال دعوى الخصم بإثبات النقيض، والاستدلال بوجود الأثر على وجود المؤثر، وبيان أن حجة الخصم هي ضده، وإلزام الخصم بالمشاهد المحسوس، وأن قول الخصم مما ينكره هو بنفسه. [3]
ويلاحظ على الجهود المتصلة بموضوع الدراسة أنها قد اقتصرت على الأساليب العقلية التي تخاطب العقل أكثر من مخاطبتها للعاطفة، هذا مع أن الأساليب العاطفية ذات أهمية. [4] (ويؤكد عرجون [5] وجود مثل هذه الأساليب في القرآن متمثلة في الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، كما يؤكد الألمعي هذه الحقيقة بقوله ان"القرآن الكريم في جداله يخاطب العقل والوجدان". [6]
وفي معرض الحديث عن الأخبار في سورة الأنعام أشار الشنقيطي إلى عشرة من الأساليب وضرب لها أمثلة كان منها اثنتان تقعان ضمن الأسلوب العاطفي. تتضمن إحداهما استعطافا والأخرى تهديدا. [7]
(1) ابن الحنبلي.
(2) جلال الدين السيوطي، ص 135 - 136.
(3) الألمعي، مناهج. ص 67 - 85.
(5) عرجون، ص 283 - 289.
(6) الألمعي، مناهج ص 422.
(7) الشنقيطي، وظيفة الأخبار، ص 71 - 73.