فليس من الإنصاف أن تُلزِمَ الإنسانَ بحبِّ من يبغِضه ويؤذيه ويضرّه ويعاديه، بل أقلُّ درجات العدل أن تبغِض من يبغضك وتعاديَ من يعاديك، وإلى ذلك أشار الله تعالى في قوله: هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:119، 120] ، وفي قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة:1، 2] ، وقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:57-59] ، وقول الله تعالى: إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [الممتحنة:9] .
والمسلمون أيضًا بمقتضى الشّرع الذي يدِينون به يحبّون الحقَّ وأهلَه ويكرَهون الباطلَ وأهلَه. وهذا الحبّ الشرعيّ والبغض الشرعيّ ليس للذوات والأشخاص، وإنما لما يحملونه من خير وشرّ، ألا ترى أنّ ألدَّ الأعداء للإسلام والمسلمين ينقلِب أخًا محبوبًا إذا ترك ما كان عليه من الباطل والتزمَ الدينَ الحقّ؟!
إنّ المتعصّبين والحاقدين يسعونَ لتشويه مبدأ البراء والبغض للباطل وأهله، وذلك بتفسيرهم هذا المبدأَ بكلّ تصرّفٍ غير شرعيٍّ يصدر من بعضِ المسلمين، موهمين أنّ البراءَ من أهل الباطل هو اضطهادُهم والاعتداء عليهم وتخويفهم وترويعهم، وأن هذا هو مفهوم البراء في الإسلام، وما هذا في الحقيقة إلا توظيفٌ ماكر للتطبيقاتِ الخاطئة للإسلام من بعض أفراده، ومكمَن الخلل في هذا التفسير هو عدم الرجوع إلى الأصل الذي هو النصوص الشرعية التي هي العمدة في تقرير نظام الإسلام، وكذا عدم الرجوع إلى التطبيقات الشرعية النيِّرة التي سجّلها التاريخ بمداد من ذهب وسطّرها المنصفون من غير المسلمين، وما أكثرها منذ قيام دولة الإسلام إلى عصرنا الحاضر.
أما النصوص الشرعية فيقول الله تعالى: لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8] .