فهرس الكتاب

الصفحة 1122 من 4557

إن الذين نفوا وجود التكرار في القرآن يرون أن المقصود من كل كلمة تكرّر لفظها في القرآن، هو غير نفس تلك الكلمة في موضع آخر. فإذا تكرّرت كلمة في القرآن مرتين، فالكلمة واحدة، لكن المعنى والمقصود اثنان. وإذا تكرّرت كلمة أو آية في القرآن خمس مرات، فالكلمة واحدة، لكن المعاني والمقاصد خمسة. وهكذا دواليك.. ويُسمّون ذلك بـ"علم الإحكام والتفصيل". يقول القاضي أبو بكر الباقلاني:"لقد علمنا أن الله تحدّى المعارضين بالسور كلها ولم يخصّ، فعُلم أن جميع ذلك معجز، وذلك لأن الكلمات المكرّرة لفظًا، هي ذات معان جديدة بعد تكرارها" (2) .

ويضرب الخطيب الإسكافي مثلًا على ذلك، فيقول:"إن قوله تعالى: ? كَلَّا سَيَعْلَمُونَ {4} ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ? (3) ، يدلّ على اختصاص الآية الرابعة من السورة بالعلم في الدنيا، ثم اختصاص الآية الخامسة من هذه السورة بالعلم في الآخرة، فهو إذن ليس بتكرار، ولم يُرد بالتالي ما أراد بالأول.." (4) . ويقول الكرماني ما مؤدّاه:"إن قوله تعالى في سورة الفاتحة ? عَلَيهِمْ ? في موضعين بهذه الآية ? صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ? لا تكرار فيه، لأن المراد بالأول الإرتباط بمعنى الإنعام، أما المراد بالثاني فهو الإرتباط بمعنى الغضب" (5) .

أما الفريق الثاني، فرأى في التكرار أسلوبًا من أساليب العرب التي جاء بها القرآن ليحقّق أهدافًا معيّنة تثري المعنى؛ فالتكرار عندهم ظاهرة بلاغية لا يفطن إليها إلا كل من له بصر بفنون القول، وهو في القرآن أروع وأجمل من أن تتطاول إليه ألسنة المتقوّلين. يقول الزركشي:"وقد غلط من أنكر كونه _ أي التكرار _ من أساليب الفصاحة، ظنًّا أنه لا فائدة له، وليس كذلك بل هو من محاسنها، لا سيّما إذا تعلّق بعضه ببعض.. وفائدته العظمى التقرير، وقد قيل: الكلام إذا تكرّر تقرّر" (6) .

فالتكرار يؤدّي عند الفريق الثاني وظيفتين: أولاهما: من الناحية الدينية، وثانيتهما: من الناحية الأدبية (7) . أما الناحية الدينيّة، فباعتبار أن القرآن كتاب هداية وإرشاد وتشريع، فإن أهم ما يؤدّيه هو تقرير المكرّر وتوكيده وإظهار العناية به ليكون أمثل في السلوك وأبْيَن للإعتقاد. يقول الزمخشري:"فائدته أن يجدّدوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادّكارًا واتّعاظًا، وأن يستأنفوا تنبّهًا واستيقاظًا، إذا سمعوا الحثّ على ذلك البعث، وأن يقرع العصا مرات، ويقعقع لهم الشنّ تارات، لئلا يغلبهم السّهو، ولا تستولي عليهم الغفلة" (8) .

ويقول في موضع آخر:"إن في التكرير تقريرًا للمعاني في الأنفس، وتثبيتًا لها في الصدور. ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفّظ العلوم إلا ترديد ما يُرام تحفّظه منها. وكلّما زاد ترديده كان أمكن له في القلوب، وأرسخ له في الفهم، وأثبت للذكر، وأبعد من النسيان؟" (9) . وأما من الناحية الأدبية، فالهدف منه الإستلذاذ، أو التوكيد، أو زيادة التنبيه، أو التهويل، أو التعظيم..

هذا بالنسبة لمفهوم التكرار عند القدامى. فإذا انتقلنا إلى الدراسات في عصرنا الحديث، نرى أن هذا الخلاف لم يمتدّ طويلًا، حيث تبنّى معظم الباحثين المحدثين موقف الفريق الأول، الذي نفى التكرار من القرآن تمامًا، ثم داروا في فلكه، يبرّرون أنواع التكرار بمسمّيات جديدة. يقول العفيفي:"إن إحكام القرآن وتفصيله هو العلم الذي يضمن لنا أننا كلّما احتجنا إلى أي مفردة قرآنية وجدناها بأي موضع من مواضعها، كالحرف الواحد في الكلمة، يعني المكرّر في كلمة واحدة التي تجمع حروفها جميعًا في جملتها، فإذا كل حرف بموضعه الخاص به تفصيلًا، يعني كل حرف غير الآخر، لا أنه مكرّر، وإذا الحروف جميعًا تامّة الإرتباط بها كلها إجمالًا" (10) .

العفيفي يرى أن تكرار آيات القرآن ليس إلا للفظ، وهو في كل سورة معنًى إبداعي مُعجز:"..فإذا تعدّدت المواضع في القرآن كله بآية، أو جملة أصغر من آية، أو كلمة، أو حرف كان كل من ذلك ثابتًا في نصّه بلا تبديل، وإنما لكل مفردة منه عمل جديد، بكل موضع جديد، حتى إذا احتاج أي إنسان منا بأي زمان أو مكان إلى النظر فيما تصلنا به كل مفردة من هذه المفردات في سياقها من أي موضع، وجدنا لها حسابًا، فيه تعميم إلهي معجز، من حيث تقدير جملة مواضع كل مفردة، ومن حيث جملة ما تربطنا به من المقاصد" (11) .

وهذا الأستاذ محمد قطب يطلق على التكرار إسم"التنويع"، يقول:"الظاهرة الحقيقية ليست هي التكرار، وإنما هي التنويع.. لا يوجد نصّان متماثلان في القرآن كله، إنما يوجد تشابه فقط دون تماثل، تشابه كذلك الذي قد يوجد بين الإخوة والأقارب، لكنه ليس تكرارًا.. إنه مثل ثمار الجنة: ? لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا ? (12) .. فهم حين يتناولون الثمرة لأول مرة يقولون: هذا الذي رُزقنا من قبل. فإذا تذوّقوه عرفوا أنه مختلف عنه، يشبهه ولكنه لا يماثله" (13) ."إنه هكذا التنويع في القرآن الذي يُخيّل للناس أنه تكرار" (14) .

والخلاصة أنه مع اختلاف العلماء في إطلاق التكرار على ذلك الأسلوب القرآني أو عدمه، فإن النظر في أقوالهم يوضّح لنا أنهم لا يختلفون في أن كل موقف يختصّ بحالة أخرى غير التي جاء بها الأول، وله موقف خاصّ، وجوّ خاصّ، وأهداف خاصّة، ويعطينا معاني جديدة إما تكون واضحة من إضافات نراها في الكلام، أو من خلال ما نستنتجه من فروق بين نصوص متشابهة.

وعلى الرغم من هذا وذاك، إلا أننا نجد أن بعض البحوث المتجدّدة والمستحدثة قد تميّزت في دراستها لهذه الظاهرة عن المدخل التراثي الذي تعرّضنا له آنفًا. حيث قام بعض الباحثين بتقسيم التكرار إلى نوعين آخرين: الأول: محلّي أو موضعي، والثاني: شامل أو متكرّر (15) .

وعند النظر فيما طُبّق من هذه البحوث على نصوص أدبيّة، نجد أن هذا التقسيم قد ساعد على الكشف عن مدى تأثير التكرار على النصوص الأدبية، وذلك بحساب معدّلات التكرار لوحدة معيّنة في النصّ المدروس. وقد ظهر تطبيق هذا المنهج على عدد من النماذج، وأدّى إلى نتائج جيّدة في مجال الدراسات النقدية (16) ، فكان من ثمرة ذلك المدخل الوقوف على ظاهرة جديدة ومستحدثة تُسمّى"المفاتيح".

(1) انظر تقديم الشيخ عطية صقر على كتاب (القرآن القول الفصل) للأستاذ محمد العفيفي، ص7. وانظر شواهد في الإعجاز القرآني للدكتور عودة أبو عودة، ص33.

(2) أبو بكر الباقلاني، إعجاز القرآن، بهامش الإتقان للسيوطي، 2/152.

(3) سورة النبأ: 78/4-5.

(4) الخطيب الإسكافي، درّة التنزيل وغرة التأويل، ص356 (بتصرّف) .

(5) تاج القراء الكرماني، أسرار التكرار في القرآن، ص21.

(6) بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 3/12-13.

(7) د. عبد العظيم المطعني، خصائص التعبير القرآني، 1/322.

(8) الزمخشري، الكشاف، 4/47.

(9) الزمخشري، الكشّاف، 3/385.

(10) محمد العفيفي، القرآن القول الفصل، ص55.

(11) المصدر السابق، ص16.

(12) سورة البقرة: 2/25.

(13) محمد قطب، دراسات قرآنية، ص255.

(14) المصدر السابق، ص269.

(15) د. عبد الحميد هنداوي، الإعجاز الصرفي في القرآن الكريم، ص209-210.

(16) انظر البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث للدكتور مصطفى السعدني، ص145.

مما يقع فيه بعض الزنادقة المتعصبين عن عمد أو جهل الطعن في القرآن ، ومن المسائل التى يكثر تشدقهم وتخرصهم بها مسألة التكرار في القرآن وأنه مناف للبلاغة وإنما دفعهم لذلك بجانب الحقد الأعمى جهل جماهير الناس بعلم البلاغة والذى يعد من أرقى وأعقد علوم اللغة العربية حتى سماه بعض العلماء بالنحو العالى وهنا يجد الملحد الطاعن بغيته للتشكيك والطعن في إعجاز القرآن البلاغى وهناك كتاب قيم يتناول هذا الموضوع وهو القيمة البلاغية للتكرار في القرآن الكريم وهو ضمن الموسوعة الشاملة وقد آثرت أن أشير إلى بعض ما ورد في هذا الكتاب ترغيبا في اقتنائه والاستفادة منه:

اسم الكتاب أسرار التكرار في القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي

قال الشيخ الإمام العالم العلامة تاج القراء أبو القاسم محمود بن حمزة ابن نصر الكرماني رضي الله عنه ورحمه الحمد لله الذي أنزل الفرقان على محمد ليكون للعالمين نذيرا معجزا للإنس والجن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا نحمده على تفضله علينا بكتابه فضلا كبيرا ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا

ونصلي ونسلم على المبعوث بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلاة دائمة تتصل ولا تنقطع بكرة وهجيرا وبعد

فإن هذا كتاب أذكر فيه الآيات المتشابهات التي تكررت في القرآن وألفاظها متفقة ولكن وقع في بعضها زيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير أو إبدال حرف مكان حرف أو غير ذلك مما يوجب اختلافا بين الآيتين أو الآيات التي تكررت من غير زيادة ولا نقصان وأبين ما السبب في تكرارها والفائدة في إعادتها وما الموجب للزيادة والنقصان والتقديم والتأخير والإبدال وما الحكمة في تخصيص الآية بذلك دون الآية الأخرى وهل كان يصلح ما في هذه السورة مكان ما في السورة التي تشاكلها أم لا ليجري ذلك مجرى علامات تزيل إشكالها وتمتاز بها عن أشكالها من غير أن أشتغل بتفسيرها وتأويلها فإني بحمد الله قد بينت ذلك كله بشرائطه في كتاب لباب التفسير وعجائب التأويل مشتملا على أكثر ما نحن بصدده ولكني أفردت هذا الكتاب لبيان المتشابه فإن الأئمة رحمهم الله تعالى قد شرعوا في تصنيفه واقتصروا على ذكر الآية ونظيرتها ولم يشتغلوا بذكر وجوهها وعللها والفرق بين الآية ومثلها وهو المشكل الذي لا يقوم بأعبائه إلا من وفقه الله لأدائه

وقد قال أبو مسلم في تفسيره عن أبي عبد الله الخطيب في تفسيره كلمات معدودات منها وأنا أحكي لك كلامه فيها إذا بلغت إليها مستعينا بالله ومتوكلا عليه وسميت هذا الكتاب البرهان في متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان وبالله وعليه التكلان

سورة الفاتحة

1 -أول المتشابهات قوله الرحمن الرحيم مالك فيمن جعل بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة وفي تكراره قولان قال علي بن عيسى إنما كرر للتوكيد وأنشد قول الشاعر

هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين أينا ...

وقال قاسم بن حبيب إنما كرر لأن المعنى وجب الحمد لله لأنه الرحمن الرحيم قلت إنما كرر لأن الرحمة هي الإنعام على المحتاج وذكر في الآية الأولى المنعم ولم يذكر المنعم عليهم فأعادها مع ذكرهم وقال رب العاملين الرحمن لهم جميعا ينعم عليهم ويرزقهم الرحيم بالمؤمنين خاصة يوم الدين ينعم عليهم ويغفر لهم

2 -قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين كرر إياك وقدمه ولم يقتصر على ذكره مرة كما اقتصر على ذكر أحد المفعولين في آيات كثيرة منها ما ودعك ربك وما قلى أي ما قلاك وكذلك الآيات التي بعدها معناها فآواك فهداك فأغناك لأن في التقديم فائدة وهي قطع الاشتراك ولو حذف لم يدل على التقديم لأنك لو قلت إياك نعبد ونستعين لم يظهر أن التقدير إياك نعبد وإياك نستعين أم إياك نعبد ونستعينك فكرر

3 -قوله تعالى صراط الذين أنعمت عليهم كرر الصراط لعلة تقرب مما ذكرت في الرحمن الرحيم وذلك أن الصراط هو المكان

المهيأ للسلوك فذكر في الأول المكان ولم يذكر السالكين فأعاده مع ذكرهم فقال صراط الذين أنعمت عليهم أي الذي يسلكه النبيون والمؤمنون ولهذا كرر أيضا في قوله إلى صراط مستقيم صراط الله لأنه ذكر المكان المهيأ ولم يذكر المهيئ فأعاده مع ذكره فقال صراط الله أي الذي هيأه للسالكين

4 -قوله عليهم ليس بتكرار لأن كل واحد منهما متصل بفعل غير الآخر وهو الإنعام والغضب وكل واحد منهما يقتضيه اللفظ وما كان هذا سبيله فليس بتكرار ولا من المتشابه

سورة البقرة

5 -قوله تعالى الم هذه الآية تتكرر في أوائل ست سور فهي من المتشابه لفظا وذهب جماعة من المفسرين إلى أن قوله وأخر متشابهات هي هذه الحروف الواقعة في أوائل السور فهي أيضا من المتشابه لفظا ومعنى والموجب لذكره أول البقرة من القسم وغيره هو بعينه الموجب لذكره في أوائل سائر السور المبدوءة به وزاد في الأعراف صادا لما جاء بعده فلا يكن في صدرك حرج منه ولهذا قال بعض المفسرين معنى المص ألم نشرح لك صدرك وقيل معناه المصور وزاد في الرعد راء لقوله بعده الله الذي رفع السموات

6 -قوله سواء عليهم 6 وفي يس وسواء 10 بزيادة واو لأن ما في البقرة جملة هي خبر عن اسم إن وما في يس جملة عطفت بالواو على جملة

7 -قوله آمنا بالله وباليوم الآخر 8 ليس في القرآن غيره تكرار العامل مع حرف العطف لا يكون إلا للتأكيد وهذه حكاية كلام المنافقين وهم أكدوا كلامهم نفيا للريبة وإبعادا للتهمة فكانوا في ذلك كما قيل يكاد المريب يقول خذوني فنفى الله الإيمان عنهم بأوكد الألفاظ فقال وما هم بمؤمنين 8 ويكثر ذلك مع النفي وقد جاء في القرآن في موضعين في النساء ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر 38 وفي التوبة قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر 29

8 -قوله يا أيها الناس اعبدوا ربكم 22 ليس في القرآن غيره ليس لأن العبادة في الآية التوحيد والتوحيد أول ما يلزم العبد من المعارف فكان هذا أول خطاب خاطب الله به الناس في القرآن فخاطبهم بما ألزمهم أولا ثم ذكر سائر المعارف وبنى عليها العبادات فيما بعدها من السور والآيات

فإن قيل سورة البقرة ليست من أول القرآن نزولا فلا يحسن فيها ما ذكرت

قلت أول القرآن سورة الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران على هذا الترتيب إلى سورة الناس وهكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ وهو على هذا الترتيب كان يعرضه عليه الصلاة والسلام على جبريل عليه السلام كل سنة

أي ما كان يجتمع عنده منه وعرضه عليه الصلاة والسلام في السنة التي توفى فيها مرتين وكان آخر الآيات نزولا واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت