أراد بالشركاء في هذه الآية إبليس لأن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين، هذا إذا حملنا هذه الآية على القصة المشهورة، أما إذا لم نقل به فلا حاجة إلى التأويل
وقال موسى: ربَّنا إنك آتيتَ فرعون وملأَهُ زينةً وأموالًا في الحياة الدنيا، ربنا ليُضِلّوا عن سبيلك. ربنا اطمس على أموالهم واشدُد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يَرَوُا العذاب الأليم. قال: قد أُجيبت دعوتُكما فاستقيما ولا تتَّبعانِ سبيل الذين لا يعلمون (آيتا 88 ، 89) .
قال المفسرون: الطّمس إزالة أثر الشيء بالمحو، ومعنى اطمس على أموالهم أزل صورها وهيئاتها. وقال أكثر المفسرين: مسخها وغيَّرها عن هيئتها. قال ابن عباس: إن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقرشة كهيئتها صحاحًا وأنصافًا وأثلاثًا. وقيل إن عمر بن عبد العزيز دعا بكيس فيه شيء من بقايا آل فرعون فأخرج منه البيضة منقوشة والجوزة مشقوقة وهي حجارة (ابن كثير في تفسير يونس 10: 88) .
قلنا لم يرد أن موسى دعا على فرعون وقومه بهذه الدعوة وأن الله استجاب له، وأنه أزال صور أموالهم أو أهلكها. بل قالت التوراة إن موسى وهارون طلبا من فرعون أن يأذن بخروج بني إسرائيل من مصر، فاستعمل المراوغة والمخاتلة، فضربه الله ليُظهر قدرته، وليوضّح للمصريين أن أصنامهم لا تفيدهم شيئًا. ولكن أموال المصريين التي طمس الله عليها تعمِّر متاحف العالم، وهي غير مطموسة
الرد
{ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتًا، واجعلوا بيوتكم قبلة، وأقيموا الصلاة، وبشر المؤمنين } ..
وتلك هي التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية. وهما معًا ضروريتان للأفراد والجماعات، وبخاصة قبيل المعارك والمشقات. ولقد يستهين قوم بهذه التعبئة الروحية، ولكن التجارب ما تزال إلى هذه اللحظة تنبئ بأن العقيدة هي السلاح الأول في المعركة، وأن الأداة الحربية في يد الجندي الخائر العقيدة لا تساوي شيئًا كثيرًا في ساعة الشدة.
وهذه التجربة التي يعرضها الله على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة، ليست خاصة ببني إسرائيل، فهي تجربة إيمانية خالصة. وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمت الفتنة وتجبر الطاغوت، وفسد الناس، وأنتنت البيئة - وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة - وهنا يرشدهم الله إلى أمور:
* اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها - ما أمكن في ذلك - وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها.
* اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد. تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي؛ وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح؛ وتزاول بالعبادة ذاتها نوعًا من التنظيم في جو العبادة الطهور.
واتجه موسى - عليه السلام - إلى ربه، وقد يئس من فرعون وملئه أن يكون فيهم خير، وأن تكون قد بقيت فيهم بقية، وأن يرجى لهم صلاح.
اتجه إليه يدعو على فرعون وملئه، الذين يملكون المال والزينة، تضعف إزاءهما قلوب الكثيرين، فتنتهي إلى التهاوي أمام الجاه والمال، وإلى الضلال.. اتجه موسى إلى ربه يدعوه أن يدمر هذه الأموال، وأن يشد على قلوب أهلها فلا يؤمنوا إلا حيث لا ينفعهم إيمان. فاستجاب الله الدعاء:
{ وقال موسى: ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة الدنيا. ربنا ليضلوا عن سبيلك. ربنا اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. قال: قد أجيبت دعوتكما، فاستقيما، ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } ..
{ ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة الدنيا } ..
ينشأ عنها إضلال الناس عن سبيلك، إما بالإغراء الذي يحدثه مظهر النعمة في نفوس الآخرين. وإما بالقوة التي يمنحها المال لأصحابه فيجعلهم قادرين على إذلال الآخرين أو إغوائهم. ووجود النعمة في أيدي المفسدين لا شك يزعزع كثيرًا من القلوب التي لا يبلغ من يقينها بالله أن تدرك أن هذه النعمة ابتلاء واختبار، وأنها كذلك ليست شيئًا ذا قيمة إلى جانب فضل الله في الدنيا والآخرة. وموسى يتحدث هنا عن الواقع المشهود في عامة الناس. ويطلب لوقف هذا الإضلال، ولتجريد القوة الباغية المضلة من وسائل البغي والإغراء، أن يطمس الله على هذه الأموال بتدميرها والذهاب بها، بحيث لا ينتفع بها أصحابها. أما دعاؤه بأن يشد الله على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، فهو دعاء من يئس من صلاح هذه القلوب، ومن أن يكون لها توبة أو إنابة. دعاء بأن يزيدها الله قسوة واستغلاقًا حتى يأتيهم العذاب، وعندئذ لن يقبل منهم الإيمان؛ لأن الإيمان عند حلول العذاب لا يقبل، ولا يدل على توبة حقيقية باختيار الإنسان.
{ قال: قد أجيبت دعوتكما } ..
كتبت لها الإجابة وقضي الأمر.
{ فاستقيما } ..
في طريقكما وعلى هداكما حتى يأتي الأجل:
{ ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } ..