وقد كان لبعض الصحابة - رضي الله عنهم- مصاحف خاصة بهم، كتبوها لأنفسهم بقصد الحفظ والمذاكرة، ورتبوها باجتهادهم الخاص أحيانًا وليس في ذلك مانع شرعي؛ لأن القرآن في مصاحفهم جميعًا، وهو لم يتغير، أو يتبدل، وإن اختلف الترتيب.
أرأيت لو أن إنسانًا اليوم أراد حفظ سورة البقرة، وسورة النساء فكتبها أو صورها، وجمعها في ملزمة واحدة، فهل يقول أحد بالتحريم؟!.
أو هل يزعم أحد بوجود تناقض بين ما صفه هذا الإنسان من الجمع والترتيب مع المصحف العثماني المعروف؟!
الجواب: كلا فليس ثمة حرمة أو تناقص ، ثم اعلم أن عثمان - رضي الله عنه- حين جمع القرآن أقره كل الصحابة - رضي الله عنهم- على فعله، وأجمعوا عليه بما فيهم ابن مسعود، وأبو الدرداء- رضي الله عن الجميع.
وأما ما نقل عن ابن مسعود وأبي الدرداء -رضي الله عنهما- من قراءة"الذكر والأنثى"فالإسناد إليها من أصح الأسانيد، والرواية أخرجها الشيخان كلاهما وليس البخاري فقط. ففي البخاري (6278) ومسلم (824) بيد أنها قراءة منسوخة لإمكانية النسخ شرعًا وعقلًا، قال الله:"ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير أو مثلها..." [البقرة:106] ، ولعل النسخ لم يبلغ هذين الصحابيين الجليلين - رضي الله عنهما-.
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله-: ولعل هذا مما نسخت تلاوته، ولم يبلغ النسخ أبا الدرداء ومن ذكر معه -رضي الله عنهم-، والعجب من نقل الحفاظ من الكوفيين هذه القراءة عن علقمة وعن ابن مسعود - رضي الله عنه- وإليها تنتهي القراءة بالكوفة، ثم لم يقرأ بها أحد منهم، وكذا أهل الشام حملوا القراءة عن أبي الدرداء ولم يقرأ أحد منهم بهذا، فهذا مما يقوي أن التلاوة بها نسخت، ا.هـ الفتح (8/707) .
وأما الآية الأخرى التي سألت عنها فهي قوله تعالى:"والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج..." [البقرة:240] . وهي آية منسوخة حكمًا باقية تلاوة؛ لأن النسخ أنواع منها:
(1) أن ينسخ اللفظ والحكم.
(2) أن ينسخ اللفظ ويبقى الحكم.
(3) أن ينسخ الحكم ويبقى اللفظ مثل عدة المتوفى زوجها في الآية السابقة، فقد كانت العدة حولًا كاملًا، فنسخت إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، كما في قوله تعالى:"والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا .."الآية وكلتاهما في البقرة [الآية:234] .
وبهذه المناسبة أنصح الأخ السائل وغيره ألا يرتادوا تلك المواقع المشبوهة في شبكة الإنترنت، أو غيرها مما سخره أعداء الدين لإلقاء الشبهة وتشكيك الشباب وغيرهم في دينهم، واقتناص الفرص لبلبلة الأذهان وترويج الشائعات المغرضة، والآراء المسمومة.
وليس للعامة من أبناء الأمة إقحام أنفسهم في أتون تلك المواقع، أو قراءة ما يكتبه الملاحدة والكفرة والمنافقون بقصد التشكيك والإفساد حفاظًا على دينهم ورعاية لعقائدهم. والله المسؤول أن يحفظ علينا ديننا، ويكبت عدونا إنه سميع قريب. وفقك الله وأعانك والسلام عليكم.
اقتضت مشيئة الله تعالى أن ينزل القرآن بالعربيَّة كما اقتضت مشيئته أن ينزل الكتب السابقة بلغات أخرى ، والله يفعل ما يشاء ويختار ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
والنصوص دلت على هذا القول كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشًا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم)
والحكمة من ذلك بإيجاز:
1-أن النبي الذي نزل عليه القرآن عربي اللغة، فمن العبث أن ينزل عليه كتاب بغير لغته.
2-أن القوم الذين بعث فيهم النبي ليكونوا حملة الرسالة ومبلغي الدعوة لغتهم العربية، ولو نزل بغير لغتهم لكان ذلك أعظم حجة لهم يدفعون بها دعوة النبي إياهم إلى الإيمان بأنهم لا يعرفون لغة هذا القرآن، ولا يفهمون مراميه، فكيف يؤمنون به ويصدقونه؟
3-أن العربية أوسع اللغات استيعابًا لوجوه الإعجاز، وقد أريد لهذا القرآن المنزل أن يبقي المعجزة الأبدية الناطقة بصدق هذا الدين وبصدق رسوله، والله أعلم
بسم الله الرحمن الرحيم.
أما بعد، فقد تصفحت ما زبر الكاتب في هذه الصفحة، فأحببت بيان أمورًا قد تزيل اللبس:
أولًا: لا شك أن للعرب مزية في كون القرآن بلغتهم، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، والله أعلم حيث يجعل رسالته. فلا يكون في ذلك ظلم أصلًا.
ولتقريب الصورة لنفرض أن لرجل عبدين، أمرهما بحرث أرض للزراعة، ثم رآهما قادرين على حرثها بما معهما من أدوات، فأعطى أحدهما من الآلات الحديثة ما ييسر عليه حرثه، وترك الآخر على حاله، وذلك لحكمة عنده اقتضت ذلك، إما لأنه يعلم ضعف أحدهما فساعده، أو فقر الآخر فأحب زيادة عطائه لمزيد عنائه، أو ليختبر أيهما أطوع له في حالي الخير والضر، وهكذا. فهذا لا يعد ظلمًا، ولا قبح فيه بوجه. ولله المثل الأعلى.
وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه وآله وسلم: ( من قرأ القرآن وهو ماهر به كان مع البررة الكرام السفرة، ومن قرأه وهو عليه شاق كان له أجران ) .
ومثل هذا تمامًا أن الله تعالى قد أمر بالصدقة في جميع الملل، ثم أعطى بعض الناس من فضول المال ما يتصدق به كثيرًا، وأعطى غيره أقل من ذلك، ثم لم غيرهم ما يزيد على حاجته، وهذا - كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم - فضل الله يؤتيه من يشاء. والقراءة مثل ذلك تمامًأ، أعطى إنسانًا من العلم والفصاحة ما يقرأ ويفهم، وأعطى دونه دون ذلك، وهكذا.
وبهذا يتبين أن كون القرآن بلغة العرب فضل من الله على أهل هذه اللغة، ثم ليس هو حكرًا عليهم، بل يستطيع غيرهم أن يبلغ من فهمه وإتقانه ما يستطيعون. والواقع يشهد بذلك.
لا سيما إن علمنا أن أصل فهم القرآن وتدبره ليس بمجرد اللغة، لكن بصحة القلب والتوسع في علوم الشريعة وغير ذلك مما هو خارج عن مجرد علم اللغة.
ثم أمر آخر بالغ في الأهمية. وهو أن القرآن لا يترجم إلى لغة أخرى لمصالح:
أولًا: عصمة له عن التحريف الذي يحصل باختلاف المعاني باختلاف اللغات، ثم بتضارب نسخ المصاحف باختلاف البلاد.
ثانيًا: أن للقرآن أثرًا على القارئ بألفاظه وحروفه، لا يحصل بألفاظ أخرى، ولو سلمنا احتواءها على تمام المعنى. وهذه المصلحة تضيع إن قرئ بلغة أخرى.
ثالثًا: أن لألفاظ القرآن من المعاني المستفادة من النظم والمفهوم وحتى من جرس اللفظ ما لا يمكن أن يحتوى بلغة أخرى.
رابعًا: أن ترجمة القرآن إلى اللغات المتنوعة يضيع مصلحة اجتماع المسلمين على لغة واحدة يتعارفون بها، ويتبادلون بها علومهم، ويفهمون بها سنة نبينهم صلى الله عليه وآله وسلم.
خامسًا: أن اللغة العربية أشرف اللغات وأفضلها، فهي الأنسب للقرآن، وترجمته إلى لغة أخرى نزول به من حيث شرفه الله إلى لغة أقل شأنًا وأنقص شرفًا.
سادسًا: أن الجهود التي يمكن بها ترجمة القرآن أولى أن تصرف لفهمه على حاله وتعليمه للناس، وذلك لتحصيل المصالح المذكورة.
سابعًا: أن الكلام هو اللفظ والمعنى جميعًا، فلو ترجم القرآن إلى لغة أخرى، لما كان كلام الله، وبالتالي لم تحصل به البركة والشفاء والأجر الحاصلة به على حاله.
وغير ذلك كثير يحصل بالتأمل.
فالحاصل أن القرآن بلغة العرب فضل عظيم على أهل هذه اللغة، وفيه فضل على غير الناطقين بها لمزيد أجرهم بالحرص على تعلمها، وذلك كغيرها من النعم كالقوة للصحيح دون المريض، والعقل للذكي دون البليد، والمال للغني دون الفقير، وغير ذلك. لا سيما وأن نعمة اللغة تحصل بالتعلم والتدرب.
ثم في حفظ القرآن في لغة العرب مصالح كثيرة، وفي ترجمته ذاته مفاسد خطيرة، فاقتضى ذلك المنع من ترجمته.
هذا أمر، أمر آخر: أن الإعجاز حصل بغير القرآن أصلًا، كانشقاق القمر ونبع الماء من يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي أمور منقولة بالتواتر فيستغني المرء بذلك عن حضورها ومعاينتها. فانتفاء الدليل المعين - وهو إعجاز القرآن - لا ينفي المدلول - وهو صحة النبوة - لقيام دليل غيره. ثم ليس من إعجاز القرآن في نظمه وبلاغته فحسب، بل وفي تشاريعه وإخباره عن المغيبات وإحكامه عن التناقض والخلل في المعاني، وهذه - وغيرها - أمور يدركها غير الناطق بالعربية، فتقوم بها عليه الحجة.
وبهذا نعلم أن ضعيف القريحة إن لم يشعر بوجه الإعجاز في بيان القرآن، فله من وجوه الحجة ما يبين له صدق القرآن. وقد كان سهلًا عليه أن يستدل بانبهار أفصح الناس أهل اللغة الأقحاح من مشركي قريش، الذين هم - بلا نزاع - أفصح الناس وأعلمهم بوجوه كلام العرب، فكان له أن يستدل بذلك منهم على إعجاز بيان القرآن ولغته. بل لا شك أن ثقتنا في علم أولئك باللغة أبلغ من ثقتنا بعلم أنفسنا، بل وقد كانوا أحرص الناس على معارضته وتنقصه، وكانوا أهل نقد للأشعار والكلام. وهذا واضح لا يخفى.
أما الإعجاز المسمى بـ ( العلمي ) ففيه حق وباطل، وفي صوابه ما هو إعجاز وفيه ما ليس كذلك، ولسنا نعتمد في الدعوة إلى الله عليه، ولا نوقف الحجة عليه، بل هو واحد من وجوه إعجاز كثيرة، ربما كان أقلها خطرًا وشأنًا.
والله أعلم.