هكذا تبدت معالم الصراع بين الحق والباطل على مدار التاريخ، إنها صورة واحدة ذات أشكال متعددة .. تتغير فيها الأزمان، والأشخاص وتبقى الحقيقة هي هي .. إنه استعلاء الإيمان في كل زمان .. واعتزاز الحق في كل عصر.
أصحاب العقيدة يدفعون الثمن: وتشتد المحنة في حياة الدعوة .. وتئول قيادة الأمة إلى حكام طغاة، يسومون المؤمنين سوء العذاب .. وحق على دعوة الإسلام أن تدفع الثمن . وتدفعه بسخاء: دماء وضحايا وشهداء .
كيف نواجه المحن ؟
إن الحركة الإسلامية إذ تواجه اليوم ما تواجه من تحديات وضغوط ينبغي أن:
تنطلق على هدي: فلا تتحكم في سيرها الانفعالات، أو تميد بها العواطف والطفرات.
مدعوة لمواجهة هذه الحرب السافرة على الإسلام وأهله: بالصياغة الحسنة لشبابها ورجالها، وبالإعداد الكامل، ثم بالتخطيط الواعي لكل خطوة من خطاها .
أن تغرس في نفوس عناصرها ودعاتها روح البذل والتضحية، وتستأصل من نفوسهم عوامل الضعف والخوف والانهزام .
إن الحركة الإسلامية مدعوة: لتضع في تقديرها وحسابها في مجالات التربية والتكوين ثقل المسئولية، وضخامة التبعة التي تنتظرها وتنتظر أفرادها؛ فتسلك بهم كل ما من شأنه أن يعدهم لحياة المجاهدة والمرابطة والكفاح .. وتنأى عما يخلد بهم إلى الأرض ويعودهم حياة الدعة والخنوع .
من"مشكلات الدعوة والداعية"للأستاذ/ فتحي يكن
بسم الله الرحمن الرحيم
ـ مقدمة:
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه (.
... ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (آل عمران: 102.
... ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النساء:1. ... ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (الأحزاب:70-71.
أما بعد، فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هَديُ محمدٍ (، وشَرَّ الأمورِ مُحدثاتُها، وكلَّ محدَثةٍ بدعةٌ، وكُلَّ بدعةٍ ضلالَةٌ، وكُلَّ ضلالةٍ في النار.
اللهمَّ ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ فاطِرَ السماواتِ والأرض، عالمَ الغيبِ والشهادةِ، أنت تحكمُ بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنِك، إنَّك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم.
لا يزالُ الحديث محتدِمًا بين طبقة السَّاسة والمثقفين والباحثين والإعلاميين عن مفهوم صراع الحضارات، وحقيقته، وواقعه .. وبخاصة الصراع بين الحضارة الغربية الرأسمالية النصرانية الديمقراطية وبين الحضارة الإسلامية.
وهل لهذا الصراع وجود من قبل، واليوم، وغدًا .. وإن كان موجودًا متى كان مبتداه ومتى يكون منتهاه .. وهل يمكن تفاديه وإيقافه .. وكيف؟
وفريق من هؤلاء الساسة والمثقفين ـ ومنهم من هو محسوب على الاتجاه الإسلامي ـ قد ذهب بعيدًا؛ حيث تراه يزعم أنه يعمل على إيقاف صراع الحضارات .. وأنه لا بد من إيقاف هذا الصراع .. وأنه قادر على إيقاف صراع الحضارات .. وأنه لا يسمح لشرذمة قليلة بأن تتسبب بهذا الصراع بين الحضارات .. وغير ذلك من الاطلاقات المتسرعة، والتي تنم عن جهلهم وعدم فهمهم لحقيقة الصراع بين الحضارات .. ظنًا منهم أن صراع الحضارات يعني صراع آلة عسكرية وآلة .. أو صناعة وصناعة .. أو مبانٍ وجسور شاهقة ضخمة تتصادم وتتصارع ليزيل كلٌّ منها الآخر .. أو مجرد تقاتل فريق من الناس ضد فريق آخر!
لذا وجدت الحاجة الماسة لبحث هذا الموضوع، والإجابة عن الأسئلة التالية: ما هو مفهوم صراع الحضارات، وما هي حقيقته، وهل له واقع نعايشه ونلمسه .. وما هو موقف الأدلة النقلية من هذا الصراع .. وغيرها من الأسئلة ذات العلاقة بالموضوع؟
نسأل الله تعالى السداد، والتوفيق، والقبول .. وأن يجعل من عملنا هذا مفتاح خير مغلاق شرٍّ، إنه تعالى سميع قريب مجيب.
ـ معنى الحضارة ومفهومها.
فأقول: الحِضارة والحَضارة لغة: هي الإقامة في الحضَر، والحضَر خلاف البادية، وهي المدن والقرى والريف، سُميت بذلك لأن أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار وعمران، بخلاف الباد في البادية فهو في تنقل دائم يبحث عن الكلأ والماء، لا يعرف القرار ولا العمران.