فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 4557

والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملا , بكل ما في طاقتهم من جهد ; ثم يدعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة . وعندما يغلبون عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين وأن يجأروا إليه كما جأر عبده الصالح نوح: (فدعا ربه أني مغلوب , فانتصر) . . ثم ينتظروا فرج الله القريب . وانتظار الفرج من الله عبادة ; فهم على هذا الانتظار مأجورون .

ومرة أخرى نجد أن هذا القرآن لا يكشف عن أسراره إلا للذين يخوضون به المعركة ويجاهدون به جهادا كبيرا . . إن هؤلاء وحدهم هم الذين يعيشون في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن ; ومن ثم يتذوقونه ويدركونه ; لأنهم يجدون أنفسهم مخاطبين خطابا مباشرا به , كما خوطبت به الجماعة المسلمة الأولى , فتذوقته وأدركته وتحركت به . .

.. والحمد لله في الأولى والآخرة . .

إن الحمد لله؛ نحمد, ونستعينه, ونستغفره, ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا . من يهده الله؛ فلامضل له, ومن يضلل؛ فلا هادى له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم , أما بعد ,,

فإن كل ما في الدنيا من أهواء, وأعمال, وآراء: متردد بين الحق والباطل, والهدى والضلال, والخطأ والصواب ؛ ومسألة الحياد في أمر الحق والباطل ؛ مسألة غير واردة , وحين يقول إنسان: أنا محايد بين الحق, والباطل ؛ يصنف في دين الله وشرعه في قائمة أهل الباطل , ولذلك يقول الله جل وعلاه: { فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ ...} سورة يونس ,

والحق والباطل بينهما صراع منذ أن خلق الله الإنسان, قال عز وجل: { يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ( 117 ) سورة طه ومنذ تلك اللحظة ابتلى الإنسان بكيد الشيطان, وصراعه معه, ومازال الشيطان يكيد لآدم حتى أهبط لهذه الدنيا, وهنا انتقل ميدان الصراع إلى هذه الأرض , يقول الله عز وجل: } بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ... ( 36 ) {سورة البقرة , وبعد هبوط آدم وحواء إلى الأرض ؛ ظلت أجيال من الناس على الهدى قرون طويلة يتوارثون الهدى والإيمان عن أبيهم آدم عليه الصلاة والسلام كما جاء في تفسير قول الله جل وعلا في سورة البقرة: } كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ... ( 213 ) سورة البقرة , قال ابن عباس: ( كان بعد آدم عشرة قرون كلهم على الهدى فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ) وهكذا جاء في قراءة ابن مسعود وأبى بن كعب: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ) وهذا أحد الأوجه في تفسير الآية, وبناء عليه نستطيع أن نقول: أن الأجيال التالية لآدم ظلت وفية للحق و للتوحيد الذي تلقته عن آدم عليه السلام حتى أثر فيهم هذا الشيطان؛ فانحرفوا عن التوحيد, واندرست معالمه, فاحتاج الأمر إلى بعثة نبي يجدد الإسلام والتوحيد فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين .

وبعد بعثة هؤلاء الرسل عليهم السلام صارت الخصومة بين الرسل وأتباعهم, وبين أعداء الرسل من الشياطين و أتباعهم, ولذلك يقول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ... ( 31 ) {سورة الفرقان , فما من نبي يبعث إلا ويتصدى له أعداء من المجرمين, يضعون العراقيل في طريقه ويعترضون عليه بمختلف الوسائل,يقول الله جل وعلا: } وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ( 112 ) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ( 113 ) {سورة الأنعام , وبعد بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم انحصرت الخصومة بين أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وبين أعدائه , فالنبي صلى الله عليه وسلم كان له أعداء كثيرون من المجرمين,ومن الأكابر: } وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ( 123 ) سورة الأنعام ,وما أبو جهل, وعتبة, وأبو لهب, وشيبة, وغيرهم إلا أمثلة ,ونماذج لأعداء الرسل عليهم السلام, ثم الدين يحاربون دعوته صلى الله عليه وسلم عبر العصور إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت