فهرس الكتاب

الصفحة 658 من 4557

فالإسلام كما قدمنا في الحديث عن الرق قد ألغى وجفف كل روافد ومصادر الاسترقاق ، ولم يستثن من ذلك إلا الحرب الشرعية المشروعة. ولذلك ، فإن تجارة الرقيق ، وأسواق الأرقاء ، وشيوع التسري الذي جاء ثمرة لاختطاف الفتيات والفتيان ، وللحروب غير المشروعة ، وغيرها من سبل الاسترقاق التي حرمها الإسلام.. كل ذلك إن حُسب على"التاريخ الإسلامي"فلا يمكن أن يُحسب على"دين الإسلام".. وعن هذه الحقيقة الهامة يقول الإمام محمد عبده:"لقد ساء استعمال المسلمين لما جاء في دينهم من هذه الأحكام الجليلة ، فأفرطوا في الاستزادة من عدد الجواري ، وأفسدوا بذلك عقولهم وعقول ذراريهم بمقدار ما اتسعت لذلك ثرواتهم.."

أما الأسرى اللاتي يصح نكاحهن فهن أسرى الحرب الشرعية التي قصد بها المدافعة عن الدين القويم أو الدعوة إليه بشروطها ، ولا يَكُنَّ عند الأسر إلا غير مسلمات.. وأما ما مضى المسلمون على اعتياده من الرق ، وجرى عليه عملهم في الأزمان الأخيرة ، فليس من الدين في شيء ، فما يشترونه من بنات الجراكسة أو من السودانيات اللاتي يختطفهن الأشقياء السَّلبَة المعروفون"بالأسيرجية"، فهو ليس بمشروع ولا معروف في دين الإسلام ، وإنما هو من عادات الجاهلية ، لكن لا جاهلية العرب بل جاهلية السودان والجركس.." (11) ."

وإذا كان من العبث الظالم حمل تاريخ الحضارة الغربية مع الرق والاسترقاق على النصرانية ، كدين ، فالأكثر عبثية والأشد ظلمًا هو حمل التاريخ الإسلامي في هذا الميدان على شريعة الإسلام !..

المراجع

(1) النساء: 3.

(2) المؤمنون: 5 ، 6.

(3) رواه أبو داود.

(4) النور: 30 33.

(5) رواه أبو داود.

(6) رواه ابن ماجة.

(7) انظر: [ الموسوعة الفقهية ] مادة"التسري"طبعة الكويت 1408 هجرية 1988م.

(8) النساء: 3.

(9) [ الأعمال الكاملة ] ج2 ص 91 طبعة القاهرة 1993م.

(10) المصدر السابق: ج2 91.

(11) المصدر السابق: ج2 ص 91، 92.

الرِّق لغة: هو الشيء الرقيق ، نقيض الغليظ والثخين.

واصطلاحًا: هو المِلْك والعبودية ، أي نقيض العِتْق والحرية.

والرقيق بمعنى العبد يطلق على المفرد والجمع ، وعلى الذكر والأنثى أما العبد ، فهو: الرقيق الذكر ، ويقابله: الأَمَة للأنثى. ومن الألفاظ الدالة على الرقيق الذكر لفظي: الفتى أو الغلام.. وعلى الأنثى لفظي: الفتاة ، والجارية. أما القنّ فهو أخص من العبد ، إذ هو الزى مُلِك هو وأبواه.

ومالك الرقيق هو: السيد ، أو المولى.

والرق نظام قديم قدم المظالم والاستعباد والطبقية والاستغلال في تاريخ الإنسان ، وإليه أشار القرآن الكريم في قصة يوسف عليه السلام: (وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بُشْرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون. وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين. وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا ) (1)

وكان الاسترقاق من عقوبات السرقة عند العبرانيين القدماء ، وعندما سئل إخوة يوسف عن جزاء السارق لصواع الملك (قالوا جزاؤه من وُجد في رحله فهو جزاؤه..) (2) .

وفى الحضارات القديمة كان الرق عماد نظام الإنتاج والاستغلال ، وفى بعض تلك الحضارات كالفرعونية المصرية والكسروية الفارسية كان النظام الطبقي المغلق يحول دون تحرير الأرقاء ، مهما توفرت لأي منهم الرغبة أو الإمكانات.. وفى بعض تلك الحضارات كالحضارة الرومانية كان السادة هم الأقلية الرومانية ، وكانت الأغلبية في الامبراطورية برابرة أرقاء ، أو في حكم الأرقاء.. وللأرقاء في تلك الحضارات ثورات من أشهرها ثورة"اسبارتاكوس" [ 7371ق م ] .

وعندما ظهر الإسلام كانت للمظالم الاجتماعية والتمييز العرقي والطبقي منابع وروافد عديدة تغذى"نهر الرق"في كل يوم بالمزيد من الأرقاء.. وذلك من مثل:

1-الحرب ، بصرف النظر عن حظها من الشرعية والمشروعية ، فالأسرى يتحولون إلى أرقاء ، والنساء يتحولن إلى سبايا وإماء..

2-والخطف ، يتحول به المخطوفون إلى رقيق..

3-وارتكاب الجرائم الخطيرة كالقتل والسرقة والزنا كان يحكم على مرتكبيها بالاسترقاق..

4-والعجز عن سداد الديون ، كان يحوِّل الفقراء المدينين إلى أرقاء لدى الأغنياء الدائنين..

5-وسلطان الوالد على أولاده ، كان يبيح له أن يبيع هؤلاء الأولاد ، فينتقلون من الحرية إلى العبودية.

6-وسلطان الإنسان على نفسه ، كان يبيح له بيع حريته ، فيتحول إلى رقيق..

7-وكذلك النسل المولود من كل هؤلاء الأرقاء يصبح رقيقا ، حتى ولو كان أباه حرا..

ومع كثرة واتساع هذه الروافد التي تمد نهر الرقيق في كل وقت بالمزيد والمزيد من الأرقاء ، كانت أبواب العتق والحرية إما موصدة تماما ، أو ضيقة عسيرة على الولوج منها..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت