فهرس الكتاب

الصفحة 659 من 4557

وأمام هذا الواقع ، اتخذ الإسلام ، إبان ظهوره ، طريق الإصلاح الذي يسعى لتحرير الأرقاء ، وإلغاء نظام العبودية ، وطي صفحته من الوجود ، لكن في"واقعية ثورية"إذا جاز التعبير.. فهو لم يتجاهل الواقع ولم يقفز عليه.. وأيضا لم يعترف به على النحو الذي يبقيه ويكرسه..

لقد بدأ الإسلام فأغلق وألغى وحرّم أغلب الروافد التي كانت تمد نهر الرقيق بالمزيد من الأرقاء.. فلم يبق منها إلا أسرى الحرب المشروعة والشرعية ، والنسل إذا كان أبواه من الأرقاء.. وحتى أسرى الحرب المشروعة فتح الإسلام أمامهم باب العتق والحرية المنّ أو الفداء: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منًّا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها.. ) (3) فعندما تضع الحرب أوزارها ، يتم تحرير الأسرى ، إما بالمن عليهم بالحرية وإما بمبادلتهم بالأسرى المسلمين لدى الأعداء

ومع إغلاق الروافد روافد الاسترقاق ومصادره التفت الإسلام إلى"كتلة"واقع الأرقاء ، فسعى إلى تصفيتها بالتحرير ، وذلك عندما عدد ووسع مصابّ نهر الرقيق..ولقد سلك الإسلام إلى ذلك المقصد سبيل منظومة القيم الإسلامية. وسبيل العدالة الاجتماعية الإسلامية. فحبب إلى المسلمين عتق الأرقاء تطوعا، إذ في عتق كل عضو من أعضاء الرقيق عتق لعضو من أعضاء سيده من النار ، فتحرير الرقيق سبيل لتحرير الإنسان من عذاب النار يوم القيامة..

كما جعل الإسلام عتق الأرقاء كفارة للكثير من الذنوب والخطايا.. وجعل للدولة والنظام العام مدخلًا في تحرير الأرقاء عندما جعل هذا التحرير مصرفا من المصارف الثمانية لفريضة الزكاة فهو جزء من أحد أركان الإسلام (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ) (4) . كما جعل الحرية هي الأصل الذي يولد عليه الناس ،

والرق هو الاستثناء الطارئ الذي يحتاج إلى إثبات ، فمجهولوا الحكم هم أحرار ، وعلى مدعى رقهم إقامة البينات ، وأولاد الأمة من الأب الحر هم أحرار و"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا ؟ !"..

كذلك ، ذهب الإسلام فساوى بين العبد والحر في كل الحقوق الدينية ، وفى أغلب الحقوق المدنية ، وكان التمييز فقط ، في أغلب حالاته بسبب التخفيف عن الأرقاء مراعاة للاستضعاف والقيود التي يفرضها الاسترقاق على الإرادة والتصرف.. فالمساواة تامة في التكاليف الدينية ، وفى الحساب والجزاء.. وشهادة الرقيق معتبرة في بعض المذاهب الإسلامية عند الحنابلة وله حق الملكية في ماله الخاص ، وإعانته على شراء حريته بنظام المكاتبة والتدبير مرغوب فيها دينيًا (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) (6) . والدماء متكافئة في القصاص..

وبعد أن كان الرق من أكبر مصادر الاستغلال والثراء لملاك العبيد ، حوّله الإسلام بمنظومة القيم التي كادت أن تسوى بين العبد وسيده إلى ما يشبه العبء المالي على ملاك الرقيق.. فمطلوب من مالك الرقيق أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل مالا يطيق.. بل ومطلوب منه أيضًا إلغاء كلمة"العبد"و الأمة"واستبدالها بكلمة"الفتى"و"الفتاة"."

بل لقد مضى الإسلام في هذا السبيل إلى ما هو أبعد من تحرير الرقيق ، فلم يتركهم في متاهة عالم الحرية الجديد دون عصبية وشوكة وانتماء ، وإنما سعى إلى إدماجهم في القبائل والعشائر والعصبيات التي كانوا فيها أرقاء ، فأكسبهم عزتها وشرفها ومكانتها ومنعتها وما لها من إمكانات ، وبذلك أنجز إنجازًا عظيمًا وراء وفوق التحرير عندما أقام نسيجًا اجتماعيًا جديدًا التحم فيه الأرقاء السابقون بالأحرار ، فأصبح لهم نسب قبائلهم عن طريق"الولاء"، الذي قال عنه الرسول (: [ الولاء لُحْمَةٌ كلُحْمَة النسب ] رواه الدارمي. حتى لقد غدا أرقاء الأمس"سادة"فى أقوامهم ، بعد أن كانوا"عبيدًا"فيهم.. وقال عمر بن الخطاب وهو من هو في الحسب والنسب عن بلال الحبشى ، الذي اشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه:"سيدنا أعتق سيدنا"!.. كما تمنى عمر أن يكون سالم مولى أبى حذيفة حيًا فيختاره لمنصب الخلافة.. فالمولى ، الذي نشأ رقيقًا ، قد حرره الإسلام ، فكان إمامًا في الصلاة وأهلًا بخلافة المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت