فهرس الكتاب

الصفحة 660 من 4557

ولقد ساعد على هذا الاندماج في النسيج العربي فضلًا عن الإسلامي ذلك المعيار الذي حدده الإسلام للعروبة وهو معيار اللغة وحدها ، فباستبعاد"العرق.. والدم"غدت الرابطة اللغوية والثقافية انتماءً واحدًا للجميع ، بصرف النظر عن ماضي الاسترقاق وعن هذا المعيار للعروبة تحدث الرسول(في معرض النقد والرفض للذين أرادوا إخراج الموالى ، ذوى الأصول العرقية غير العربية ، من إطار العروبة ، فقال: [ أيها الناس ، إن الرب واحد ، والأب واحد.. وليست العربية بأحدكم من أب أو أم ، وإنما هى اللسان ، فمن تكلم العربية فهو عربي.. ] ..

هكذا كان الإسلام إحياء وتحريرًا للإنسان ، مطلق الإنسان ، يضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ، ويحرر الأرقاء ، لأن الرق في نظره"موت"، والحرية"حياة وإحياء".. ولقد أبصر هذه الحكمة الإسلامية الإمام النسفي [ 710هجرية /1310م ] وهو يعلل جعل الإسلام كفارة القتل الخطأ تحرير رقبة: (ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) (6) .. فقال: إن القاتل"لما أخرج نفسًا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسًا مثلها في جملة الأحرار ، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها ، من قِبَل أن الرقيق ملحق بالأموات ، إذ الرق أثر من آثار الكفر ، والكفر موت حكمًا.." (7) ..

فالإسلام قد ورث نظام الرق عن المجتمعات الكافرة فهو من آثار الكفر ، ولأنه موت لروح وملكات الأرقاء ، وسعى الإسلام إلى إلغائه ، وتحرير أي إحياء موات هؤلاء الأرقاء ، كجزء من الإحياء الإسلامي العام (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) (8) .

ومع أن مقاصد الإسلام في تصفية نهر الرقيق بإغلاق روافده وتجفيف منابعه ، وتوسيع مصباته لم تبلغ كامل آفاقها ، إذ انتكس"الواقع التاريخي"للحضارة الإسلامية ، بعد عصر الفتوحات ، وسيطرة العسكر المماليك على الدولة الإسلامية.. إلا أن. حال الأرقاء في الحضارة الإسلامية قد ظلت أخف قيودًا وأكثر عدلًا بما لا يقارن من نظائرها خارج الحضارة الإسلامية ، بما في ذلك الحضارة الغربية ، التي تزعمت في العصر الحديث الدعوة إلى تحرير الأرقاء..

فلقد اقترن عصر النهضة الأوروبية بزحفها الاستعماري على العالمين القديم والجديد ، وبعد أن استعبد المستعمرون الأسبان والبرتغاليون والإنجليز والفرنسيون سكان أمريكا الأصليين ، وأهلكوهم في سخرة البحث عن الذهب وإنشاء المزارع ، مارسوا أكبر أعمال القرصنة والخطف في التاريخ ، تلك التي راح ضحيتها أكثر من أربعين مليونًا من زنوج إفريقيا ، سلسلوا بالحديد ، وشحنوا في سفن الحيوانات ، لتقوم على دمائهم وعظامهم المزارع والمصانع والمناجم التي صنعت رفاهية الرجل الأبيض في أمريكا وأوروبا.. ولا يزال أحفادهم يعانون من التفرقة العنصرية في الغرب حتى الآن.

وعندما سعت أوروبا في القرن التاسع عشر إلى إلغاء نظام الرق ، وتحريم تجارته ، لم تكن دوافعها في أغلبها روحية ولا قيمية ولا إنسانية ، وإنما كانت في الأساس دوافع مادية ، لأن نظامها الرأسمالي قد رأى في تحرير الرقيق سبيلًا لجعلهم عمالًا أكثر مهارة ، وأكثر قدرة على النهوض باحتياجات العمل الفني في الصناعات التي أقامها النظام الرأسمالي.. فلقد غدا الرق بمعايير الجدوى الاقتصادية عبئًا على فائض رأس المال الذي هو معبود الحضارة الرأسمالية المادية وأصبحت حرية الطبقة العاملة أعون على تنمية مبادراتها ومهاراتها في عملية الإنتاج..

ولقد كان ذات القرن الذي دعت فيه أوروبا لتحرير الرقيق هو القرن الذي استعمرت فيه العالم ، فاسترقّت بهذا الاستعمار الأمم والشعوب استرقاقًا جديدًا ، لا تزال الإنسانية تعانى منه حتى الآن..

المراجع

(1) يوسف: 1921.

(2) يوسف: 75.

(3) محمد: 4.

(4) التوبة: 60.

(5) النور: 33.

(6) النساء

(7) [ تفسير النسفى ] طبعة القاهرة ، الأولى

السياق القرآني لآية الخمار يبين أن العلة هي العفاف وحفظ الفروج ، حيث يبدأ بالحديث عن تميز الطيبين والطيبات عن الخبيثين والخبيثات.. وعن آداب دخول بيوت الآخرين ، المأهول منها وغير المأهول.. وعن غض البصر.. وحفظ الفروج ، لمطلق المؤمنين والمؤمنات..وعن فريضة الاختمار ، حتى لا تبدو زينة المرأة ـ مطلق المرأة ـ إلا لمحارم حددتهم الآية تفصيلًا. فالحديث عن الاختمار حتى في البيوت ، إذا حضر غير المحارم.. ثم يواصل السياق القرآني الحديث عن الإحصان بالنكاح (الزواج) وبالاستعفاف للذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت