فهرس الكتاب

الصفحة 583 من 4557

ثم أن الضمانات التي كفلها الرسول الكريم لموظفي الدولة مشتملة على المطالب الأساسية للإنسان:"من ولي لنا عملًا وليس له منزل فليتخذ منزلًا ، أو ليست له زوجة فليتخذ زوجة ، أو ليس له خادم فليتخذ له خادمًا ، أو ليست له دابة فليتخذ دابة" ( ) هذه الضمانات لا يمكن عقلًا أن تكون وقفًا على موظفي الدولة . وإنما هي المطالب الأساسية التي يحتاج إليها كل شخص وينالها بوسيلة من الوسائل مقابل العمل الذي يؤديه ، سواء كان للدولة مباشرة ، أو في حرفة يحترفها ويعود النفع منها على المجتمع . وإذا كانت الدولة قد تعهدت لموظفيها بكفالة هذه المطالب ، فهي مكلفة كذلك أن تضمنها لكل فرد يعمل في أي عمل في الدولة . يؤيدنا في ذلك أن بيت المال يكفل العاجزين عن العمل لسبب من الأسباب - كالمرض أو الشيخوخة أو الطفولة .. الخ - ويكمل الحاجات الأساسية لمن تقصر بهم مواردهم الخاصة عن بلوغها . كل ذلك يدل دلالة واضحة على مسئولية الدولة في أن تكفل لعمال المصانع هذه المطالب الأساسية التي ذكرها الرسول في حديثه ، بوسيلة من الوسائل . فليست الوسيلة هي المهمة - وهذه يحددها كل عصر بما يراه - وإنما المهم هو المبدأ الذي يكفل توزيع المغانم والمغارم على طوائف الأمة . وحين يكفل الإسلام هذه المطالب للعمال يكون قد حماهم من الاستغلال السيئ وكفل لهم الحياة الحرة الكريمة .

على أي حال لم يكن يمكن أن يسمح الإسلام بقيام الرأسمالية في صورتها البشعة التي نراها اليوم في الغرب"المتحضر"وكانت تشريعاته ، الموجود منها مباشرة في صلب الشريعة ، والمستحدث منها لمواجهة الظروف المتطورة في حدود المبادئ العامة للشريعة ، كانت هذه التشريعات وتلك ستقف في سبيل شرور الرأسمالية ، لا تسمح لها بما ترتكبه اليوم من استغلال لعرق الكادحين ودمائهم ، ومن استعمار وحروب واسترقاق للشعوب .

ولكن الإسلام - كعادته - لم يكن ليكتفي بالتشريعات الاقتصادية وغير الاقتصادية . فهو يلجأ كذلك إلى الدعوة الخلقية والروحية ، التي يسخر بها الشيوعيون لأنهم يرونها - في أوربا - معلقة في الفضاء ، غير قائمة على أساس عملي . ولكنها في الإسلام ليست كذلك . فهذا النظام العجيب لا يوجه دعوة للروح وأخرى للتنظيم الاقتصادي منفصلة هذه عن تلك ، ولكنه يمزج بطريقته الفريدة بين تهذيب الروح وتنظيم المجتمع ، فيوفق بين هذا وذاك ، ولا يترك الفرد تائها حائرًا يحاول التوفيق بين الواقع والمثال فلا يهتدي ولا يستطيع . إنه يقيم التشريع على أساس خلقي ، ويجعل الدعوة الخلقية متمشية مع التشريع ، فيلتقي الجانبان في نظام واحد ، ويصبح كل منهما مكملًا للآخر موصلًا إليه ، بلا تعارض ولا انفصال .

والدعوة الخلقية هنا تحرم الترف وتحاربه . وهل ينشأ من تضخم الأرباح في يد فئة قليلة من الناس إلا الترف البغيض والمتاع الحسي الغليظ ؟ وتحرم ظلم الأجير وعدم توفيته أجره ، وهل ينشأ تضخم الأرباح إلا من ظلم الأجراء ؟ وتدعوا إلى إنفاق المال في سبيل الله - ولو خرج الإنسان عن كل ماله . وهل ينشأ الفقر الذي يعيش فيه أغلب الشعب إلا لأن الأغنياء ينفقون أموالهم على أنفسهم ، ولا ينفقونها في سبيل الله ( ) ؟

والدعوة الروحية تربط الإنسان بالله ، وتزهده في كل مغانم الأرض وملذاتها في سبيل مرضاة الله ، وانتظارًا لثوابه في الآخرة .. وهل يتكالب الإنسان على تكديس المال ويسلك إلى ذلك سبيل الظلم والاستغلال وبينه وبين الله رابطة ، أو في قلبه إيمان باليوم الآخر وما فيه من نعيم وعذاب ؟

وهكذا تكون مهمة الدعوة الخلقية والروحية أن تمهد للتشريعات الاقتصادية التي تقف في سبيل الرأسمالية ، حتى إذا جاءت هذه التشريعات لم تكن طاعتها ناشئة من خوف القانون ، وإنما تنبعث هذه الطاعة كذلك عن رغبة في داخل الضمير .

أما الرأسمالية التي تقوم اليوم في العالم الإسلامي بأبشع مظاهرها ، فليست من الإسلام ، والإسلام ليس مسؤولًا عنها . لأن الناس لا يحكمون الإسلام في حياتهم في قليل ولا كثير ! (محمد قطب)

هل الملكية الفردية نزعة فطرية ؟

يصر الشيوعيون وأضرابهم على أنها ليست كذلك . ويقولون إنه في المجتمع الأول حيث كانت تسود الشيوعية الأولى ، لم يكن هناك ملك خاص لأحد ، وإنما كان كل شيء ملكًا للجميع ، وكانت تسود الجميع روح المحبة والتعاون والإخاء . ولكن هذه الفترة الملائكية لم تدم طويلًا مع الأسف ، فمنذ اكتشفت الزراعة دب الخلاف على الأرض المنزرعة وعلى وسائل الإنتاج . وبدأت الحروب .. وصار البشر إلى ما هو عليه اليوم من حب للملكية الفردية وتطاحن عليها . ولا خلاص لهم من هذا الشر المستطير إلا أن يرجعوا إلى حالتهم الأولى ، حيث لا يكون هناك ملك خاص لأحد ، وإنما يملك الجميع ، وتعود روح المحبة والوئام فتسيطر على البشر !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت