فيخبطوا على غير علم، ويترددوا في الخطط والتدبيرات، ويقلقوا على المصير، ولا يعرفوا إن كانوا يسيرون في الطريق الهادي أم هم ضلوا السبيل.
والمشهد التالي هو مشهد التنفيذ.
{ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر، فأتبعهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا، حتى إذا أدركه الغرق قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين. آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين؟! فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية، وإن كثيرًا من الناس عن آياتنا لغافلون } ..
إنه الموقف الحاسم والمشهد الأخير في قصة التحدي والتكذيب. والسياق يعرضه مختصرًا مجملًا، لأن الغرض من سياقة هذه الحلقة من القصة في هذه السورة هو بيان هذه الخاتمة. بيان رعاية الله وحمايته لأوليائه، وإنزال العذاب والهلاك بأعدائه، الذين يغفلون عن آياته الكونية وآياته مع رسله حتى تأخذهم الآية التي لا ينفع بعدها ندم ولا توبة.
سؤال واجب طرحه: هل من المعقول أن يذهب نبي إلى ملك مثل فرعون ويقول له أحضر معي بني اسرائيل لنخرج من مصر ... فينساق فرعون بجبروته للنبي دون أي مواجه حقيقية ؟
واضح إن النصارى يعيشون في وهم كبير
سورة البقرة 48
وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
قوله تعالى: { وَاتَّقُواْ يَوْمًا } يذكرهم بهذا اليوم . وهو اليوم الذي لا ينفع الإنسان إلا عمله . ويطلب الحق سبحانه وتعالى منهم ان يجعلوا بينهم وبين صفات الجلال لله تعالى في ذلك اليوم وقاية .
إن هناك آية أخرى تقول:
البقرة 123
وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
وهذه الآية وردت مرتين ، وصدر الآيتين متفق . ولكن الآية الأولى تقول:
{ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } ... البقرة 48
والآية الثانية:
{ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } ... البقرة 123
هل هذا تكرار؟ نقول: لا
فالمسألة تحتاج لعقول واعية للفهم . فالآيتان متفقتان في مطلعهما: في قوله تعالى:
{ وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا }
ولكن الآية الأولى قدم الشفاعة وقال: { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ }
وفي الآية الثانية أخر الشفاعة وقال: { وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ }
ففي الآية الأولى الشفاعة مقدمة والعدل متأخر
وفي الآية الثانية العدل متقدم .... والشفاعة متأخرة
والمقصود بقوله تعالى: { وَاتَّقُواْ يَوْمًا } هو يوم القيامة الذي قال عنه سبحانه وتعالى:
{ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } الأنفطار 19
وقوله تعالى: (لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا ) كم نفسًا هنا ؟ إنهما اثنان . نفس عن نفس
هناك نفس أولى ونفس ثانية .
فما هي النفس الأولى ؟
النفس الأولى هي الجازية .
وما هي النفس الثانية ؟
النفس الثانية هي المجزي عنها
ومادام هناك نفسان فقوله تعالى: (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) هل من النفس الأولى أم الثانية ؟
اذا نظرت إلى المعنى فالمعنى انه سيأتي انسان صالح في يوم القيامة ويقول يارب أنا سأجزي عن فلان أو أغني عن فلان أو أقضي حق فلان . النفس الأولى أي النفس الجازية تحاول ان تتحمل عن النفس المجزي عنها .
ولكي نقرب المعنى ولله المثل الأعلى نفترض ان حاكما غضب على احد من الناس وقرر ان ينتقم منه ابشع انتقام . يأتي صديق لهذا الحاكم ويحاول ان يجزي عن المغضوب عليه . فبما لهذا الرجل منزلة عند الحاكم يحاول ان يشفع للطرف الثالث . وفي هذه الحالة اما ان يقبل شفاعته أو لا يقبل . فاذا لم يقبل شفاعته فانه سيقول للحاكم انا سأسدد ما عليه ... أي سيدفع عنه فدية ، ولا يتم ذلك إلا إذا فسدت الشفاعة .
فغذا كانت المسألة في يوم القيمامة ومع الله سبحانه وتعالى .. يأتي انسان صالح ليشفع عند الله تبارك وتعالى لانسان أسرف على نفسه .. فلابد ان يكون هذا الانسان المشفع من الصالحين حتى تقبل شفاعته عند الحق جل جلاله . واقرأ قوله سبحانه: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } البقرة 255
وقوله تعالى: { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ .... الأنبياء 28 } .
والإنسان الصالح يحاول ان يشفع لم أسرف على نفسه فلا تقبل شفاعته ولا يؤخذ منه عدل ولا يسمح لها بأي مساومة أخرى . إذن لا يتكلم عن العدل في الجزاء إلا اذا فشلت الشفاعة