فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 4557

إن الأصل في عمل المرأة في الإسلام أن تكون في البيت راعية لمال زوجها ، مدبرة لأمره ، قائمة على شؤون بيتها ، عاملة لتحقيق أهداف الزوجية ، والأمومة النبيلة بكل صدق وإخلاص ، فإذا كان على زوجها كسب المال ، فإن عليها إنفاق ذلك لتدبير شؤون المنزل ، قال صلى الله عليه وسلم: (المرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها) .

وقد ألزم الإسلام الزوج بالإنفاق عليها ، مهما كان مستواه المادي ، هذا إذا كانت ذات زوج ، وإذا لم تكن ذات زوج فقد ألزم الإسلام أقاربها: أباها ، أو أخاها ، أو غيرهما ممن تلزمها إعالتها ، ألزمهم بالإنفاق عليها ، وإذا لم يكن هذا ولا ذاك ، وهي فقيرة ، فقد جعل الإسلام حق الإنفاق عليها وكفالتها ، على ولي أمر المسلمين من بيت المال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ، اقرؤوا إن شئتم:(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) ، فأيما مؤمن ترك مالًا فلورثته ، وإن ترك دينًا أو ضياعًا ، فليأتني ، فأنا مولاه).

كل ذلك حرصًا من الإسلام على أن تبقى المرأة في مكانها الطبيعي (البيت) لا تبرحه ، تكريمًا لها ، وتقديرًا لرسالتها في الحياة وصونًا لها من الابتذال في زحمة الحياة ، ومتاهات البحث عن مصدر للرزق ، لكن قد لا يتيسر للمرأة من يقوم بإعالتها ممن ذكرنا ، أو تضطرها بعض الظروف إلى العمل مع وجود العائل مثل خصاصة قيّم الأسرة أو ضآلة معاشه أو مرضه أو عجزه أو سبب آخر من هذا القبيل ، حينئذ يكون الخروج من البيت ضرورة لا بد منها.

وقد راعى الإسلام هذه الضرورات ، فأباح لذلك خروجها من البيت ، والبحث عن مصدر للرزق ، تقضي به حاجتها وتسد عوزها ، على أن يكون في مجال الأعمال المشروعة التي تحسن أداءها.

ولا تتنافر مع طبيعتها ، وأن تؤديه وهي في وقار وحشمة ، وفي صورة بعيدة عن مظان الفتنة ، وأن لا يكون من شأن هذا العمل أن يؤدي إلى ضرر اجتماعي ، أو خلقي ، أو يعوقها عن أداء واجباتها الأخرى ، نحو زوجها ، وأولادها ، وبيتها ، ويكلفها ما لا تطيقه ، ولا تخرج في زيها وزينتها ، وستر أعضاء جسمها ، واختلاطها بغيرها أثناء أدائها لعملها في الخارج عما سنته الشريعة الإسلامية في هذه الشؤون.

هذا هو هدي الإسلام في عمل المرأة ، أما إتاحة الفرصة للمرأة للعمل ، وإباحته لها مطلقًا ، لضرورة ولغيرها ، فذلك مما يتنافى مع الشريعة ، ومع الفطرة السليمة ، التي فطر الله عليها المرأة ، ويتنافى مع رسالتها الأساسية في الحياة ، ومعطل لأسمى خصائص المرأة من ووظائفها الطبيعية ، والاجتماعية ، ومعطل لقوامة الرجل على المرأة.

وقد برر دعاة عمل المرأة مطلقًا في أي حال بمبررات أعتقد أنها لا تصمد أمام البحث والمناقشة ،

فمما قالوا: إن عمل المرأة يقيها السأم القاتل الذي يورثها إياه بقاؤها الطويل الذي تقضيه بين جدران البيت!!

ونقول:

إن قيام المرأة في بيت زوجها ، راعية لماله ، مدبرة لأمره ، مدركة لأهداف زوجيتها ، وأمومتها ، عاملة لها في وعي ، وصدق ، وإخلاص ، كاف لملء فراغ قلبها وعقلها ووقتها ، الذي يدّعون أنها تشكو منه ، وكفيل بأن يملأ عليها بيتها بهجة ، ويحوله إلى جنة وارفة ، فيها من أنواع المتع النفسية ، والعقلية ، ما يُذهب عنها السأم والملل الذي يدّعونه ، ويملأ نفسها بشعور السعادة والارتياح ، إن حققت رسالتها كاملة وقامت بواجبها كما ينبغي.

وقد شهدت بذلك واحدة ممن نصّبوا أنفسهم للدفاع عن المرأة: (فيليس ماكجنلي) كاتبة أمريكية ، قالت في مقال لها بعنوان: (البيت مملكة المرأة بدون منازع) :

(وهل نُعَدّ - نحن النساء - بعد أن نلنا حريتنا أخيرًا ، خائنات لجنسنا إذا ارتددنا لدورنا القديم في البيوت) .

وتجيب على هذا السؤال بقولها:

(إن لي آراء حاسمة في هذه النقطة ، فإنني أصر على أن للنساء أكثر من حق في البقاء كربات بيوت ، وإنني أقدر مهنتنا ، وأهميتها في الحقل البشري ، إلى حد أدنى أراها كافية لأن تملأ الحياة والقلب) .

إنه تقرير امرأة مثقفة ، غربية ، بإملاء واقعها وتجربتها ، وهي أدرى بمهام الأنثى وفطرتها من غيرها من غير جنسها.

وقالوا أيضًا:

إن مجد الأمة بكثرة الأيدي العاملة ، وأن المرأة نصف المجتمع ، وليس مما يتحقق به هذا المجد أن يكون نصف المجتمع عاطلًا.

ونقول:

لا تعطيل لهذا النصف كما تدّعون ، بل إنه موكول إليه من المهام ما هو أصعب ، وأشق ، وأهم من المهام الموكولة إلى الرجال ، فإذا كان بناء مجد الأمة في حاجة إلى الأيدي العاملة ، والأدمغة المفكرة ، وينشئها ويتعهدها بالرعاية والتوجيه حتى تخرج إلى معترك الحياة سوية قوية ، تخدم الأمة ، وتبني المجد ، ثم يؤمن لها العش الدافئ ، والسكن النفسي ، عند أوبتها من معترك الحياة متعبة ، مرهقة الأعصاب ، فيجد في عشه ما ينسّيه ومن ينسيه ذلك التعب ، بل ويهبه العزم ، والتصميم على مواصلة السير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت