لا شك أنه عمل شاق ، ومهمة صعبة ، ورسالة سامية ، ومن لهذا كله سوى المرأة.
فلا تعطيل لهذا النصف إذًا ، بل هو قائم برسالته التي أوجد من أجلها ، وفي اليوم الذي حدث في هذه الرسالة تقصير وإهمال ، ظهرت نتائج ذلك على الأبناء ، بُناة المجد: انحرافًا في الأخلاق ، وتشردًا في الآفاق ، وتفككًا في الأسرة ، وانحلالًا وتدهورًا في المجتمعات ، وبالتالي تهدمًا وسقوطًا للمجد الذي بُني.
فما هو العمل في رأي هؤلاء إن لم يكن ذلك منه ، بل أهمه وأشقه وإذا كان مقياس العمل والعطل هو الإنتاج للحياة ، فإن عمل المرأة - من حيث ذلك - هو المقدم ، أما أن يكون عمل الرجل هو كل شيء ، وعمل المرأة لا شيء ، فذلك الظلم بعينه لها ولرسالتها الجليلة في الحياة.
وسياسة الدولة كلها ليست بأعظم شأنًا ، ولا بأخطر عاقبة من سياسة البيت ، لأنهما عدلان متقاربان ، عالم العراك والجهاد ، يقابله عالم السكينة والاطمئنان ، وتدبير الجيل الحاضر ، يقابله تدبير الجيل المقبل ، وكلاهما في اللزوم ، وجلالة الخطر سواء ، ولولا مركب النقص في المرأة لكان لها فخر بمملكة البيت وتنشئة المستقبل فيه ، ولا يقل عن فخر الرجال بسياسة الحاضر ، وحسن القيام على مشكلات المجتمع ، وإنما كانت الآفة كلها من حب المحاكاة بغير نظر إلى معنى المحاكاة.
فلكلٍّ من الرجل والمرأة مسؤولية ، واختصاصه في بناء هذا المجد ، كما قسمه الله بينهما ، وكل من هذين الاختصاصين مهم ، ولا يمكن أن يحقِّر منه ، أو يهون من شأنه ، أو يستغني عنه ، فالرجل إلى الإنتاج ، وتنمية الثروة ، وكسب الرزق ، وحماية العرين ، والمرأة إلى الأسرة ، إلى عمل أشق: تحمل الجنين ، وتلد وترضع ، وتربي ، وترعى الزوج والولد ، وتُمرِّض ، وتدبر شؤون المنزل ، وتثمر السكن ، والمودة والرحمة ، وتبذل من ذات نفسها ، وجهدها الحسي ما تبذل ، لتوفر للزوجية والأمومة ظروف عملها الملائمة.
وهذا الافتراق في العمل والمهام ، الذي هو مقتضى ما أُهِّل به كل منهما ، هو عين التقائهما على الإسهام ، بأدنى ما يكون ، في بناء الأمة ومجدها ، فإذا أدى كل منهما ما وجه إليه بحق ، استقامت مصلحة الأمة على أكمل وجه.
ومما قالوا أي أيضًا:
قد تكون المرأة لا عائل لها ، وقد يتوفى عنها زوجها ، ويترك لها أطفالًا صغارًا ، ولا شيء لها ولا لهم ، فتجد في العمل عصمة لها ولأولادها من الضياع.
ونقول:
إن الإسلام قد أوجب على أقارب المرأة الفقيرة إعالتها ، والنفقة عليها ، كما أوجب على أقارب أطفالها ذلك ، وإن لم يوجد لها ولأطفالها أقارب ، فقد أوجب لهما حقًا في بيت مال المسلمين ، فيقوم الحاكم بإعالتها ، والنفقة عليها ، وعلى أولادها الصغار الفقراء ، حتى يشبوا ويقدروا على العمل ، هذا هو الأصل في الإسلام.
وإذا لم يحصل لها ذلك فقد أبيح لها القيام بعمل تقيم به أودها ، وأود أطفالها ، في حدود ما شرعه الإسلام ، وضمن آدابه وتعاليمه.
على أن ثمة عوارض أخرى طبيعية ، تشترك في تقرير عجز المرأة عن عمل التكسب في الخارج ، تلك هي ما يعتور المرأة من العادة الشهرية ، والحمل تسعة أشهر ، والولادة وما تتركه من الآثار النفسية والعقلية والبدنية ، في كيان المرأة العام كما يقرر ذلك علم الطب.
وتدل مشاهدات أساطين علمي الأحياء والتشريح ، على أن المرأة تطرأ عليها في مدة حيضها التغيرات الآتية:
1-تقل في جسمها قوة إمساك الحرارة ، فتنخفض حرارتها.
2-يبطئ النبض ، وينقص ضغط الدم ، ويقل عدد خلاياه.
3-وتصاب الغدد الصماء واللوزتان ، والغدد اللمفاوية بالتغير.
4-ويختل الهضم ، وتضعف قوة التنفس.
5-يتلبد الحس ، فتتكاسل الأعضاء ، وتتخلف الفطنة ، وقوة تركيز الفكر.
وكل هذه التغيرات ، تدني المرأة الصحيحة إلى حالة المرض إدناء يستحيل معه التمييز بين صحتها ومرضها.
وأشد على المرأة من مدة الحيض زمان الحمل ، فيكتب الطبيب (ريبريت) :
(لا تستطيع قوى المرأة أن تتحمل من مشقة الجهد البدني والعقلي ما تتحمله في عامة الأحوال ، وأن عوارض الحامل لو عرضت لرجل ، أو امرأة غير حامل لحكم عليه أو عليها بالمرض بدون شك ، ففي هذه المدة يبقى مجموعها العصبي مختلًا على أشهر متعددة ، ويضطرب فيها الاتزان الذهني ، وتعود جميع عناصرها الروحية في حالة فوضى دائمة) .
أما عقب وضع الحمل ، فتكون المرأة عرضة لأمراض متعددة إذ تكون جراح نفاسها مستعدة أبدًا للتسمم ، وتصبح أعضاؤها الجنسية في حركة لتقلصها إلى حالتها الطبيعية قبل الحمل ، مما يختل به نظام جسمها كله ، ويستغرق بضعة أسابيع في عودته إلى نصابه.