فهرس الكتاب

الصفحة 699 من 4557

إن العدم العام الشامل لكل شيء يمكن تصوره في الفكر، لا يصح في منطق العقل أن يكون هو الأصل؛ لأنه لو كان هو الأصل لاستحال أن يوجد شيء مَّا.

إذن: فلا بد أن يكون وجود موجِد مَّا هو الأصل، ومن كان وجوده هو الأصل فإن وجوده لا يحتاج عقلًا لأية علة، بل وجوده واجب عقلًا، ولا يصح في العقل تصور عدمه، وأي تساؤل عن علة لوجوده لا يكون إلا على أساس اعتبار أن أصله العدم ثم وجد، وهذا يتناقض مع الإقرار باستحالة أن يكون العدم العامل الشامل هو الأصل الكلي.

ومن كان وجوده واجبًا بالحتمية العقلية باعتبار أنه هو الأصل، فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يتصف بصفات تستلزم أن يكون حادثًا.

أما ادعاء أصلية الوجود للكون بصفاته المتغيرة فهو ادعاء باطل، وذلك بموجب الأدلة التي تثبت أنه حادث وليس أزليًّا.

إن هذا الكون يحمل دائمًا وباستمرار صفات حدوثه، تشهد بهذه الحقيقة: النظريات العقلية المستندة إلى المشاهدات الحسية، وتشهد بها البحوث العلمية المختلفة في كل مجال من مجالات المعرفة، والقوانين العلمية التي توصل إليها العلماء الماديون.

وإذ قد ثَبَتَ أن هذا الكون عالم حادث، له بداية ونهاية، فلابد له حتمًا من علة تسبب له هذا الحدوث، وتخرجه من العدم إلى الوجود، وذلك؛ لاستحالة تحول العدم بنفسه إلى الوجود.

أما ما لا يحمل في ذاته صفات تدل على حدوثه مطلقًا، وتقضي الضرورة العقلية بوجوده، فوجوده هو الأصل، لذلك فهو لا يحتاج أصلًا إلى موجِد يوجده، وكل تساؤل عن سبب وجوده تساؤل باطل بالحتمية العقلية؛ لأنه أزلي واجب الوجود، ولا يمكن أن يكون غير ذلك عقلًا، وليس حادثًا حتى يتساءل الفكر عن سبب وجوده.

وهنا نقول: لو كانت صفات الكون تقتضي أزليته لقلنا فيه أيضًا كذلك، لكن صفات الكون المشاهدة المدروسة تثبت حدوثه.

يضاف إلى هذا: أن مادة الكون الأولى عاجزة بطبيعتها عن المسيرة الارتقائية التي ترتقي بها ذاتيًّا إلى ظاهر الحياة، فالحياة الراقية في الإنسان.

وبهذا تنكشف للبصير المنصف: المغالطة الشيطانية التي يوسوس بها الشيطان، وتخطر على أذهان بعض الناس، بمقتضى قصور رؤيتهم عن استيعاب كل جوانب الموضوع وزواياه، فهم بسبب هذا القصور في الرؤية يتساءلون: وما علة وجود الله؟

إنها مغالطة تريد أن تجعل الأزلي حادثًا، وأن تجعل واجب الوجود عقلًا ممكن الوجود عقلًا، وأن الأصل فيه العدم، ليتساءل الفكر عن علة وجوده.

أو تريد أن توهم بأن ما قامت الأدلة على حدوثه فهو أزلي، أو هو واجب الوجود لذاته؛ لتسوي بين الحادث والأزلي في عدم الحاجة إلى علة لوجوده.

وتريد هذه المغالطة أن تطمس الضرورة العقلية التي تقتضي بأن الأصل هو وجود موجِد أزلي، وهذا الموجِد الأزلي لا يصح عقلًا أن يُسأل عن علة لوجوده مطلقًا؛ لتنافي هذا السؤال مع منطق العقل، وهذا الموجِد الأزلي لا يمكن أن تكون له صفات تستلزم حدوثه.

أما الكون فصفاته تستلزم بالبراهين العقلية والأدلة العلمية المختلفة - حدوثه، لذلك كان لا بد من السؤال عن علة لوجوده، ولا تكون هذه العلة إلاَّ من قبل الموجِد الأزلي، الذي يقضي منطق العقل بضرورة وجوده، خارجًا عن حدود الزمن ذي البداية والنهاية، وخلاف ذلك مستحيل عقلًا.

والحدوث من العدم العام الشامل، دون سبب من موجِد سابق له مستحيل عقلًا.

( المرجع: رسالة: الشرك في القديم والحديث ، للأستاذ أبوبكر محمد زكريا ، 2 / 744-749 ) .

ومقصودهم بهذا القول: أن الإنسان لا يكون حرًّا إلا إذا أنكر وجود الله، فإنه ما دام يثبت وجود الله فإنه لا بد من إتباع أوامره واجتناب نواهيه. وهذا مخالف للحرية التامة، فإذا قُضي على فكرة وجود الله فقد ثبتت الحرية، وإلا فلا.

الرد على هذه الشبهة:

إن دعوى الحرية التامة المطلقة - التي أسس عليها الوجوديون إنكار الله الخالق الرازق المحيي والمميت - لا وجود لها إلا في خيالهم المريض؛ إذ لو كان الإنسان حرًّا حرية مطلقة لتحكَّم في مسيره ومجريات أحداثه، وكان عالمًا بكل ما يحيط به من أحداث، بل لكان هو المتحكم والمخطط لمسيرها في الحياة، ولما كان هناك ما يقع على الإنسان غير ما يبتغيه أو يرغب فيه، بل يتمنى ألا يقع، تأكد كذب ما ترتب على دعوى الوجودية من استغناء الإنسان من خالق أوجده أو قدره. وبيان ذلك: أن الإنسان وهو بطريق الحياة تنتابه الأقدار:

1-أحداث تقع به فيفجؤه، بل يفجعه نزولها به دون أن يدور بخلده - قط - أنها ستصيبه أو ستلِم به، مثل: النوازل والكوارث التي قد تصيب الإنسان وهو بطريق الحياة دون سابق إنذار، وما يستطيع عاقل أن يقول: إن الإنسان هو الذي وضعها بنفسه أو أنزلها بساحته بناء على حريته المطلقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت