فهرس الكتاب

الصفحة 3203 من 4557

ونحن عندما نقول بظاهر الحديث ينبغي أن نفرق بين المس وبين الإغواء والإضلال ، فلا يلزم من وقوع المس والنخس إضلال الممسوس وإغواؤه حتى يقال إن الحديث معارض لقوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ( الحجر42) ، وقوله: {إلا عبادك منهم المخلصين } (الحجر 40) ، لأنه يفيد عدم تسلط الشيطان على الأنبياء والمُخْلَصين .

فإن الآية إنما تدل على عدم تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال الدائم ، ومع ذلك فقد يسلط على بعضهم بإغواء عارض ، أو إلحاق ضرر لا يؤثر على الدين ، وكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والأذية .

وماذا يقول هذا المنكر فيما أثبته الله في كتابه عن نبي الله موسى عليه السلام وقوله بعد أن قتل القبطي: {قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم } ( القصص 15-16 ) ، ومن قبله أيوب حين نادى ربه {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب } ( صّ 41) ، وقول الله تعالى لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم * إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } ( الأعراف199 - 201) .

ونبينا عليه الصلاة والسلام عرض له الشيطان ليقطع صلاته فأمكنه الله منه ، فرده الله خاسئًا كما في الصحيح ، وأخبر أنه ما منا من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن ، حتى هو نفسه - صلى الله عليه وسلم- إلا أن الله أعانه عليه فأسلم ، على رواية الرفع بمعنى:"أسلم من شره وفتنته"، وعلى رواية الفتح بمعنى:"أنه دخل في الإسلام"، وهما روايتان مشهورتان .

والمقصود أن القرآن والسنة أثبت شيئًا من تعرض الشيطان للأنبياء والمخلصين بأنواع الأذى وأما الزيغ والإضلال فقد عصمهم الله منه .

ولا يلزم أن تمتلئ الدنيا صراخًا ونحيبا - كما توهم الزمخشري - لأن الحديث إنما جعل ذلك عند الولادة فحسب ولم يجعله مستمرًا مدى الحياة ، والتجربة والمشاهدة خير حكم وبرهان ، فما من مولود إلا ويستهل صارخًا وباكيًا تصديقًا لهذا الحديث ، وإنكار ذلك مكابرة .

فعلم من ذلك أنه لا إشكال أبدًا حول الحديث لا من حيث النقل والسند ، ولا من حيث المتن والمعنى ، وأن الإشكال إنما أتى من الفهم السقيم ، والرأي غير المستقيم .

أحاديث الفتن وأشراط الساعة (1-2) ( الدجال )

(الشبكة الإسلامية)

اهتم الشارع بالعقل اهتمامًا بالغًا فجعله مناط التكليف ، وأحد الضرورات الخمس التي جاءت الشرائع بحفظها ورعايتها ، وقامت عليها مصالح الدين والدنيا ، وخاطب الله أصحاب العقول والألباب وأثنى الله عليهم في غير ما آية من كتابه .

ومع ذلك فإن للعقل حدودًا لا يتعداها ، ومواطنَ ينتهي إليها ، ولا سبيل له إلى إدراك كل مطلوب ، ولهذا أنزل الله الكتب وأرسل الرسل ، فلولا الرسالة لما اهتدى العقل إلى معرفة تفاصيل أركان الإيمان ، وشرائع الإسلام ، وما يتعلق بالساعة والمعاد والبعث والحساب والجزاء وغير ذلك من أمور الغيب .

ومع أن عقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم هو أكمل العقول وأزكاها على الإطلاق ، إلا أن الله سبحانه أخبر أنه قبل الرسالة ما كان يدري ما الكتاب ولا الإيمان ، يقول جل وعلا: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } ( الشورى 52) ، وبين أنه لم يحصل على الهداية إلا بالوحي والشرع الذي جاءه من عند الله ، قال سبحانه: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب } (سبأ 50) .

فالعقل إذًا لا يصح إن يُجعَل حاكمًا بإطلاق ، بل الحاكم هو الشرع والعقل تابع له ، وما مثله في ذلك إلا كمثل ضوء الشمس مع العين ، فالشرع هو الشعاع الذي يضيء للعين لكي ترى وتبصر ، ويستحيل بدونه أن يدرك مالا يقدر عليه من المعارف .

وإذا كان الأمر كذلك فإن من أخطر مظاهر الانحراف وعدم الاستسلام الكامل للشريعة ، تقديم العقل ، وتحكيمه في أمور النقل ، وردُّ بعض الأحاديث الصحيحة أو تأويلها بحجة مخالفتها للعقول ، من غير تمييز بين ما يستطيع العقل أن يدركه ، وما لا يستطيع .

وقَدَمُ الإسلام لا تثبت إلا على ظهر التسليم والاستسلام كما قال الإمام الزهري رحمه الله في كلام جامع يبين القاعدة في هذا الأمر:"من الله الرسالة ، ومن الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم".

وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة - بظهور المسيح الدجال ، ومكان خروجه وصفته ، وأتباعه ، وفتنته ، وبعض الخوارق التي يجريها الله على يديه ، وسبل الوقاية من هذه الفتنة ، ثم هلاكه ومقتله على يد نبي الله عيسى عليه السلام ، وكل هذا مروي من طرق متكاثرة في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة المعتمدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت