وأما التطبيقات التي خلّدها التاريخ والتي تشهد بروح التسامح لدى المسلمين مع أتباع الأديان الأخرى فكثيرة جدا، نكتفي بإيراد قول سيرت. و. أرنولد حيث قال:"ومن هذه الأمثلة التي قدمناها آنفا عن ذلك التسامح الذي بسطه المسلمون الظافرون على العرب المسيحيين في القرن الأول من الهجرة واستمر في الأجيال المتعاقبة نستطيع أن نستخلص بحق أن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح" [16] .
ويقول أيضا:"ولما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن وعسكر أبو عبيدة في فحل كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب يقولون: يا معشر المسلمين، أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكفُّ عن ظلمنا وأحسن ولايةً علينا" [17] .
5-خاتمة:
الحديث في هذا الموضوع في الحقيقة ذو تشعّباتٍ وفروع متعدّدة، والأدلة والشواهد من النصوص الشرعية والتطبيقات لها عبر التاريخ الإسلامي على براءةِ الإسلام من الحقد الديني كثيرة وكثيرة جدًّا، وكذا اعترافاتُ المنصفين من غير المسلمين الذين أمعنوا النظرَ في تاريخ الإسلام والمسلمين وتجرّدوا للحقّ وأدلَوا بشهاداتهم الصادقة للتاريخ، لا يرجون حفاوةً من المسلمين ولا مالًا، ولا يخافون منهم اضطهادًا ولا إذلالًا.
وفي مقابل ذلك لو استعرضَ المنصفُ المتجرّد اضطهادَ غير المسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم لأتباع الأديان الأخرى تحت أيّ مبرّر من المبرّرات لرأى العجبَ العجاب من الوقائع التي اسودّت بها صفحاتُ التاريخ والتي ما يزال المسلمون يصطلون بنارها، وما فلسطين والعراق ولبنان عنا ببعيد.
حقًّا لا يصدق على هؤلاء المتعصّبين الحاقدين إلا المثل العربي المشهور: رمتني بدائها وانسلّت.
ويا عجبًا من زمنٍ ينقلِب فيه الضعيفُ الأعزل المعتدَى عليه مجرِمًا يشكّل خطرًا على الإنسانية، بينما المعتدِي المتفنِّن في أساليبِ القتلِ والدّمار يعتبرُ حاميًا للحرية والإنسانية!! وعزاؤنا أنّ الله سبحانه يعلم المفسد من المصلح.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
[1] اقتضاء الصراط المستقيم (ص454) .
[2] التحفة العراقية (ص41) .
[3] رسالة في التوبة (ص234) .
[4] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3443) ، ومسلم في الفضائل (2365) .
[5] بدائع الفوائد (3/719-720) .
[6] اقتضاء الصراط المستقيم (ص455) .
[7] آثار الإمام عبد الحميد بن باديس (5/43) .
[8] الفروق (3/15) .
[9] رواه أبو داود في الخراج (3052) ، وهو في السلسلة الصحيحة (445) .
[10] رواه البخاري في الهبة (2620) ، ومسلم في الزكاة (1003) .
[11] رواه البخاري في الجزية (3166) .
[12] حاشية من ص128 من كتاب حضارة العرب. ترجمة عادل.
[13] مطالب أولي النهى (2/602-603) .
[14] مراتب الإجماع.
[15] الفروق (3/14) .
[16] الدعوة إلى الله (ص51) ترجمة حسن إبراهيم حسن وعبد المجيد عابدين وإسماعيل النحراوي، وانظر: شبهات حول الإسلام (ص195) .
[17] المراجع السابقة (ص53) .
[الكاتب: عبد العزيز بن صالح الجربوع]
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، واصلي واسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
يقول الله سبحانه وتعالى لنبيه موسى صلى الله عليه وسلم: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} .
إن أمر العقيدة في ديننا عظيم وهائل، فهي في ذاتها عظيمة شامخة شموخ الجبال الرواسي فضلًا عما يترتب عليها من مصالح جمة لا يعلمها إلا الله، ولا يقدر قدرها إلا هو.
ولذا لا ينبغي أن تؤخذ إلا بالقوة، وأن تكون لها جديتها في النفس البشرية تأخذ طابع الصراحة والحسم، بعيدة عن الرخاوة، والتمييع والترخص، بل لا تعرف الرخاوة في الطرح سبيلًا إليها، ولا الأنوثة طريقًا إليها، {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} ، وهذا ناتج من ضعفها الأنثوي لحكمة أرادها الله، فمذ تكون طفلة وهي كذلك، وإذا خاصمت فلا عبارة لها بل هي عاجزة عيية، أو من يكون هكذا سيرفع لواء الإسلام عاليًا خفاقًا، لو كان لجعل الله النبوة في بعض النساء، كيف وقد حاول فرعون عيب الدعوة والحط من قدرها على وقت موسى عليه السلام بقوله {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِين ُ} ، وهي فرية وتهمة استغل هذه العقدة في لسان موسى حال الغضب للحق كما قال المفسرون، فكيف الآن بالعي العقلي المتمثل في طرح أصحاب"الأنوثة الفكرية"؟