قال القرافي شارحًا معنى البر والقسط المأمور بهما:"الرفق بضعيفهم، وسدّ خلّة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذِّلّة، واحتمال إذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالَتِه لُطفًا منّا بهم لا خوفًا ولا تطيُّعًا، والدعاء لهم بالهداية وأن يُجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرّض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يُعانوا على رفع الظلم عنهم وإيصالهم إلى جميع حقوقهم" [8] . وقال الله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة:2] ، وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8] ، وقال تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان:8] ، وقال تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ [المائدة:5] ، فأباح الله تعالى للمسلم الزواجَ من الكتابية المحصنَة، ولا يخفى ما يحصل بين الزوجين من المودّة والرحمةِ والألفة، وهذا لا يناقِضُ البُغضَ الشرعيّ لما تعتقده هذه الكتابية من المعتقدات الباطلة المحرَّفَة.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ألا من ظلم معاهَدًا أو انتقصه أو كلّفه فوقَ طاقته أو أخَذ منه شيئا بغير طيبِ نفس فأنا حجيجه يوم القيامة ) ) [9] ، وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: وهي راغبة أفأصِل أمي؟ قال: (( نعم صِلِي أمَّك ) ) [10] ، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من قتل معاهَدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما ) ) [11] .
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة أن امنَع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم وأكلِ أموالهم إلا بحلِّها.
والنماذج من حسن معاملة النبيّ صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده لأهل الكتاب كثيرة وكثيرة جدا، وهذا ما جرّ العالم الفرنسي غوستاف لوبون إلى القول:"رأينا من آي القرآن التي ذكرناها آنفا أن مسامحةَ محمّد لليهود والنصارى كانت عظيمةً إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسّسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته، وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوربا المرتابون أو المؤمنون القليلون الذين أمعنوا النظر في تاريخ العرب... قال روبرستن في كتابه (تاريخ شارلكن) : إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروحِ التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وأنهم مع امتشاقهم الحسام نشرًا لدينهم تركوا من لم يرغبوا فيه أحرارًا في التمسّك بتعاليمهم الدينية" [12] .
ومن أقوال فقهاء الإسلام في ذلك ما جاء في مطالب أولي النهى من تقرير حماية أهل الذمة من العدوان الخارجي وهذا نصه:"يجب على الإمام حِفظ أهل الذمة ومنعُ من يؤذيهم وفكُّ أسرهم ودفعُ من قصدهم بأذى" [13] ، وقال ابن حزم:"إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صونًا لمن هو في ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإن تسليمَه دون ذلك إهمالٌ لعقد الذمة"، وحكى في ذلك إجماع الأمة [14] . فأيّ دين غير الإسلام يأمر أتباعَه بأن يفتَدوا أهلَ ذمّتهم بأرواحهم؟!
وقال القرافي:"فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة فقد ضيّع ذمةَ الله وذمةَ رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام" [15] .