2-ويكتب جولدزيهر عن النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته فيقول: كانت ولادته نحو عام 570م في الفرع الهاشمي الفقير، المنتمي إلى قبيلة قريش القوية، والذي له القيادة بمكة، وقد ولد يتيمًا رباه أقاربه وكان يكسب رزقه بطريقة قاسية وبسيطة، في آن واحد، فقد اشتغل راعيًا ثم أصبح تاجرًا لحساب سيدة غنية اسمها خديجة عندما بلغ من العمر خمسة وعشرين سنة، وبعد أن تزوج من هذه الأرملة الغنية التي تكبره بخمسة عشر عامًا، انتهت همومه المادية، وأصبح بدوره تاجرًا.. إنه خلال رحلاته المتعددة التقى ببعض اليهود والنصارى الزاهدين، وأصبح يفكر شيئًا فشيئًا في الحياة الخلقية والدينية السيئة بمكة، وأصبح ضميره يتعمق في هذه الأمور عن طريق التفكير والتأمل، وهكذا أصيب بقلق مؤلم ظهر على السطح عن طريق الاضطرابات العصبية، فانزوى في الجبال مفكرًا في مصير أمته، وهكذا أصبح ثائرًا ضد نظام الحياة المكية، واختلطت تجاربه الشخصية بالمعارف التي استقاها من اليهود والنصارى إلى أن تحولت على هيئة رؤى وأحلام وهلوسة، فعكست شعوره بالثورة ضد الماضي، وكونت هذه الأمور في مجملها ما أذاعه وبشر به في قادم الأيام.. (الظاهرة الاستشرقية 3/12) .
لقد ابتعد جولدزيهر كثيرًا عن الفهم الصحيح والموضوعية المنصفة، فهو يتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يترعرع في رعاية الله وعنايته كما لو تحدث عن أبسط إنسان رآه جولدزيهر ويضخم في التصوير بأنه صلى الله عليه وسلم أصبح تاجرًا لحساب خديجة، ويضلل القارئ عندما يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح تاجرًا وانتهت همومه المادية بعد زواجه من خديجة، ويجهل جولدزيهر أو يتجاهل أن خديجة رضي الله عنها هي التي رغبت فيه أولًا.
وأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يسعى لمال أو جاه أو تجارة، إنما كان يريد أن يساعد عمه أبا طالب في كسب الرزق وكفاية العيال ليرد له بعض الجميل الذي قدمه له في صغره وكفالته .
وأما الزعم بأنه صلى الله عليه وسلم التقى ببعض اليهود والنصارى الزاهدين، فهي دعوى باطلة دأب المستشرقون على إثارتها والمبالغة فيها ليصلون إلى الفرية القاتلة بأنه صلى الله عليه وسلم تأثر بهم، مع أن الحقيقة واضحة جلية غنية عن البيان يعرفها مشركو ذلك الزمان بأنه صلى الله عليه وسلم لم يأت بدين من عند يهود ولا نصارى ولا فرس ولا رومان ولا جاهلية ولا عروبة، إنما من عند الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
ولو كانت افتراءات المستشرقين ممكنة ولها مستند من العقل والواقع ،لما سكت المشركون عن مثلها، ولكنهم يعلمون سيرته وبعده عن كل مصدر بشري يمكن أن يكون معلمًا أو مشيرًا، مع أن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم عجز عن بعضه كل الخلق من يهود ونصارى وعرب وفرس وروم وغيرهم، مع أن القرآن يشير إلى سخافات وقع بها العرب وهم يتدافعون الحق والدين والقرآن. فقال: {يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين } ٌ. [النحل: 103] .
فكيف يمكن للأعجمي والرومي والفارسي واليهودي والنصراني أن يعلم العربي ويأتيه بقرآن عربي مبين عجز العرب عن الإتيان بمثله .
إن هذه الافتراءات لشيء عجاب لا تصدر عن شخص يحترم عقله وعلمه وأبحاثه، لكن الحقد يعمي ويصم .
(الشبكة الإسلامية) د. عبد العظيم الديب
ليسو أمناء:
إن أكثر ما يلوكه المسبِّحون بحمد المستشرقين ، هو الإشادة بدقتهم وتجردهم للبحث والعلم ، وقدرتهم على التمحيص والتدقيق ، وأنهم قادة هذا الميدان وفرسان هذا المجال ، والمستشرقون أيضًا حرصوا كل الحرص على أن يُضفوا على أنفسهم هيبة العلم وقداسة محرابه ، وأن يخفوا تحت شارته وردائه كل"أغراضهم"و"أهوائهم"، وأصبحت كلمات:"الأكاديمي"،"البحث العلمي"،"المنهج"،"حرية الرأي"،"قيمة العقل"،"والحيدة العلمية"…إلخ ، أصبحت هذه الشعارات درعًا سابغًا توارت تحته مكنونات الصدور ، وخفيات الضمائر وسموم الأحقاد ، ولكن لله درّ الإمام ، أمير المؤمنين"أبي جعفر المنصور"حين قال:"إنه ما أسرّ أحد معصيةً قط إلا ظهرت في آثار يده وفلتات لسانه".
ولو وضع تلاميذ المستشرقين وأتباعهم ، والذاكرون الشاكرون لهم ، هذه الغشاوة عن أعينهم ، وهذه الحجب عن بصائرهم ، لرأوا ما خلف هذه الأقنعة ، وعلموا أن كلام المستشرقين في العلم والمنهجية وحرية
البحث والحيدة العلمية مجرد أقنعة تتراكم وتتراكب إمعانًا في إخفاء ما تحتها ، ولو نظرنا في عمل هؤلاء المستشرقين بمقاييس"العلم"و"المنهج العلمي"و"البحث الأكاديمي"… لوجدناهم أول من يصفع هذا المنهج على قفاه ، ويدوسه بقدميه ، وهو في نفس الوقت رافع رايته ، متقدم باسمه ، ضارب بسيفه .