الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله _صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا_ أما بعد:
فعملًا بواجب النصح لله - عز وجل -ولكتابه ولرسوله _صلى الله عليه وسلم_ ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ أتوجه ببعض الوصايا إلى المسلمين في كل مكان، والدافع إلى توجيهها ما تمر به الأمة الإسلامية اليوم من محنة عصيبة وخطر داهم من قبل أعداء الملة والمسلمين بقيادة طاغوت العصر المتغطرس أمريكا وحلفائها، والذين رموا الأمة المسلمة عن قوس واحدة يريدون بها الشر ومزيدًا من التفتت والتفرق والنيل من دينها ودعاتها وثرواتها وتغريبها وإقصاء ما بقي فيها من شرائع الدين وشعائره، وهذا تأويل قوله _صلى الله عليه وسلم_:"يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أمن قلة نحن يومئذ. قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت".
معاشر المسلمين:
لقد اقتضت حكمة الله - عز وجل -أن يوجد الصراع بين الحق والباطل على هذه الأرض منذ أن أُهبط آدم _عليه السلام_ وإبليس اللعين إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة، وقد جعل الله ـ - عز وجل - ـ لهذا الصراع والمدافعة سننًا ثابتة لا تتغير ولا تتبدل"فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا" (فاطر: من الآية43) . ولا تظهر هذه السنن إلا لمن تدبر كتاب الله - عز وجل -واهتدى بنوره وهداه"كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" (صّ: 29) ، ومن سنن الله - عز وجل -في إهلاكه للأمم أو نجاتهم في هذا الصراع؛ ما قصه الله _تعالى_ علينا في كتابه الكريم من إهلاكه للأمم الكافرة وإنجائه لأنبيائه وأوليائه الصالحين، حيث يلفت الله - عز وجل -أنظار المؤمنين إلى سننه - عز وجل -في الإهلاك والإنجاء، بقوله _تعالى_:"قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ" (آل عمران: 137) . ومن ذلك قوله _تعالى_ بعد أن قص علينا قصص بعض أنبيائه في سورة هود"فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ" (هود: 116، 117) ، وقوله _- عز وجل -_:"ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (الأنفال: 53) .
يقول الإمام ابن كثير _رحمه الله تعالى_:"يخبر _تعالى_ عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه _تعالى_ لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه"ا.هـ. ويقول الإمام ابن القيم _رحمه الله تعالى_ أيضًا عند هذه الآية:"فأخبر الله _تعالى_ أنه لا يغير النعمة التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غَيّر غُّير عليه جزاءً وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد، فإن غيّر المعصية بالطاعة غيّر الله العقوبة بالعافية، والذل بالعز وقال _تعالى_:"إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ" (الرعد: من الآية11) ."
... فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، وما حلت به نقمة إلا بذنب، كما قال علي بن أبي طالب _رضي الله عنه_:"ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة". وقد قال _تعالى_:"وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ" [الشورى: 30] ) ا.هـ (الجواب الكافي ص 105) .
نحن على خطر وشيك ولا ينقذنا منه إلا أن نفر من معصية الله إلى طاعته، ومن أسباب سخطه إلى أسباب رضاه فلا نجاة لنا منه إلا إليه _سبحانه_
وقال في موطن آخر:"ومن عقوباتها - أي: المعاصي - أنها تزيل النعم الحاضرة، وتقطع النعم الواصلة، فتزيل الحاصل وتمنع الواصل، فإن نعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته، ولا استجلب مفقدوها بمثل طاعته، فإن ما عنده لا ينال إلا بطاعته، وقد جعل الله _سبحانه_ لكل شيء سببًا وآفة، سببًا يجلبه، وآفة تبطله، فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته، وآفتها المانعة منها معصيته، فإذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها."
ومن العجيب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره، وسماعًا لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه، وهو مقيم على معصية الله، كأنه مستثنى من هذه الجملة أو مخصوص من هذا العموم، وكأن هذا الأمر جار على الناس لا عليه، وواصل إلى الخلق لا إليه، فأي جهل أبلغ من هذا؟ وأي ظلم للنفس فوق هذا فالحكم لله العلي الكبير"ا.هـ (الجواب الكافي ص:145 ) "
أيها المسلمون:
إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب إلا طاعته، وسننه _سبحانه_ في المعرضين عن طاعته معروفة ومطردة، قال _تعالى_:"وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ" (القمر:51) ، وقال _سبحانه_:"أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ" (القمر:43) ، فما أهون الخلق على الله - عز وجل-إذا بارزوه بالمعصية. عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: لما فتحت قبرص فٌرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض. فرأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله - عز وجل -إذا أضاعوا أمره: بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى.
أيها المسلمون:
إن الأمة تمر بنازلة عظيمة وأيام عصيبة، فهي على ضعفها وذلها ومهانتها، قد سلط الله _سبحانه_ عليها أعداءها من اليهود والصليبيين والمنافقين وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم وطائراتهم وأساطيلهم. فهم من كل حدب ينسلون، وأحاطوا بها إحاطة السوار بالمعصم يريدونها في دينها وثرواتها وتمزيق ما بقي من وحدتها"وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ" (يوسف: من الآية21) ،"وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (آل عمران: من الآية117) .
وإن الناظر إلى هذه الأحداث الجسيمة والنوازل العظيمة التي أحاطت بالمسلمين اليوم لا يستغرب حدوثها ولا يفاجأ بها حينما يعتصم بكتاب الله - عز وجل -وينطلق من توجيهاته في ضوء سنن الله - عز وجل -التي لا تتبدل؛ والتي أشرنا إلى بعضها فيما سبق. ويكفي أن ننظر إلى أحوالنا ومدى قربها وبعدها عن الله - عز وجل -لندرك أن سنة الله - عز وجل -في من أعرض عن طاعته وأمره قد انعقدت أسبابها علينا، إلا أن يرحمنا الله _عز وجل _، ويرزقنا التوبة والإنابة والاستكانة والتضرع إليه _سبحانه_.
يا معشر المسلمين:
إن الخطب جد خطير، وإن عقاب الله - عز وجل -لا يستدفع إلا بتوبة وإنابة، فالبدار البدار، فإن أسباب العقوبة قد انعقدت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولقد رفع الله - عز وجل -العذاب عن أمة رأت بوادره بتوبتها وإيمانها ورجوعها إلى طاعة الله - عز وجل - قال الله _تعالى_:"فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ" (يونس: 98) .
إن أحوال الأمة وما حل فيه من معاصي الله _تعالى_ ومساخطه لتنذر بالخطر، فلقد ضل كثير من الناس عن أصل هذا الدين وأساسه المتين ألا وهو التوحيد والموالاة والمعاداة فيه، وأصبح الكفرة المحاربون يجوسون خلال الديار وتقدم لهم المعونات والتسهيلات لحرب المسلمين وأوذي أولياء الله ودعاته المصلحون مع أن في ذلك إيذانًا بالحرب من الله القوي العزيز، حيث جاء في الحديث القدسي"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب"وضرب الشرك الأكبر من دعاء الأموات والسحر والشعوذة بأطنابه في أكثر بلاد المسلمين، وأبعد شرع الله _تعالى_ وحكمت قوانين البشر، وتساهل كثير من الناس بشأن الصلاة والزكاة وهما أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ووقع بعض المسلمين في عقوق الوالدين وقطيعة الأرحام، وظلم العباد وفشا الربا الخبيث في معاملات كثيرة بين المسلمين، ووقع بعض المسلمين في تعاطي المسكرات والمخدرات، وكثر الغش في المعاملات، ووجد بين المسؤولين من يبخس الناس حقوقهم ويأكل أموالهم بالباطل و يتعاطى الرشوة والتي لعن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ الساعي فيها ودافعها وآخذها _ وكثر الفجور في الخصومات والزور في الشهادات، وبعض النساء يتساهلن بالحجاب، ويتبرجن بزينة الثياب، وانتشر الزنا والخبث وكثرة وسائله الخبيثة الماكرة من قنوات ومجلات خليعة تدعو إلى الفاحشة وتحببها في النفوس وتزينها، وامتلأت بيوت المسلمين من الفضائيات التي تنشر العفن والفساد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ولما سألت أم المؤمنين زينب بنت جحش _رضي الله عنها_ رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فقالت: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال لها رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"نعم إذا كثر الخبث"رواه البخاري، وما أصدق ما قاله ابن القيم _رحمه الله تعالى_ على واقعنا اليوم وهو يصف زمانه، فكيف لو رأى زماننا؟!!. قال _رحمه الله تعالى_:"لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربى عليها الصغير، وهرم عليها الكبير. فلم يروها منكرًا، فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى والمنكر مقام المعروف والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل، فصارت الغلبة لهذه الأمور. اقشعرت الأرض وأظلمت السماء وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات وقلت الخيرات، وهزلت الوحوش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة، وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح، وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه، فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح، وكأنكم بالباب وقد أغلق، وبالرهن وقد غلق، وبالجناح وقد علق"وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" [الفوائد ص 49] ."
أيها المسلمون:
لقد ضرب الله - عز وجل - لنا في كتابه الكريم أمثالًا عظيمة لنتدبرها ونعقلها. قال الله _تعالى_:"وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ" (العنكبوت: 43) . ولنستمع إلى هذا المثل الذي ضربه الله - عز وجل -لمن كفر بأنعم الله - عز وجل -وعاقبة من وقع في معاصيه ولنتدبره حق التدبر، قال الله - عز وجل:"وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" (النحل: 112) . فهذا المثل وإن كان في أهل مكة الذين أشركوا بالله وكفروا نعمة الله _تعالى_؛ إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا إنذار وتحذير للأمم التي تعيش في رغد من العيش وأمن وسكينة؛ أنها إن كفرت بنعمة الله _تعالى_ وقابلتها بالمعصية والإعراض فإن الله - عز وجل - يسلبها نعمة الأمن والمعيشة، ويذيقها مكان ذلك الجوع والخوف، وخطر الابتلاء بالجوع والخوف ليس في ذاتهما فحسب، ولكن الخطر الحقيقي يكمن فيما يجرانه على الناس من تنازلات رهيبة في الدين والأعراض. فكم من تارك لدينه ومرخص لعرضه دافعه إلى ذلك الجوع والخوف _عياذًا بالله_.
وهذه سنة إلهية إذا انعقدت أسبابها وقعت بالناس ولات حين مناص. وإن في التاريخ لعبرًا، ويكفي أن نتذكر ما حل بالمسلمين في بغداد سنة 656 هـ، حينما اجتاح المغول التتر عاصمة السلام في ذلك الوقت وما جرى في هذا الهجوم من حوادث مريعة يقشعر لها جلد القارئ بعد هذه القرون، فكيف بمن عاناها واصطلى بحرها!! وقارنوا أحوالنا اليوم بحال المسلمين في ذلك الزمان، أعني زمن دخول التتر إلى بغداد، فهل نحن اليوم أحسن حالًا منهم، حتى ننجو من خطر الأعداء الذين أحاطوا بنا من كل جانب؟؟ والجواب البدهي: لا والله ، لسنا بأحسن حالًا منهم، فواقعنا المعاصر لا يقارن في سوئه بذلك العصر، ومع ذلك سلط الله عليهم الكفرة المتوحشون الذين سفكوا الدماء وهتكوا الأعراض، وأفسدوا الحرث والنسل"وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (العنكبوت: من الآية40) .
فيا أيها المسلمون بعامة:
نحن على خطر وشيك ولا ينقذنا منه إلا أن نفر من معصية الله إلى طاعته، ومن أسباب سخطه إلى أسباب رضاه فلا نجاة لنا منه إلا إليه _سبحانه_.
أيها الأب والراعي المهمل لبيته ورعيته:
اتق الله - عز وجل - ولا نؤتى من قبلك، تب إلى الله وأقلع عن مجاهرة لله - عز وجل - بمعاصيك، واعلم أن وجود أجهزة اللهو والفساد من التلفاز والقنوات الفضائية والمجلات الخليعة هي من المعاصي العظيمة التي تسخط رب العالمين، فبادر إلى التوبة منها وإخراجها من بيتك غير مأسوف عليها رجاء ثواب الله _تعالى_ وخوف عقابه، مر أهلك بالصلاة واصطبر عليها، وكن قدوتهم في ذلك، وحث أبناءك على أدائها في جماعة وتفقدهم عليها.
اتق الله في نسائك ومحارمك وأحسن إليهن بكل وجوه الإحسان، ومن أعظم ذلك الإحسان إليهن في تربيتهن وتأديبهن والحيلولة بينهن وبين ما حرم الله - عز وجل - عليهن من السفور والتبرج والاختلاط المحرم بالأجانب من خدم وسائقين وأقارب من غير المحارم، وكذا إبعادهن عما يفسد دينهن وأخلاقهن من أفلام سيئة وأغاني ماجنة وصواحب فاسقات.
أيها الآباء المربون:
ربوا أبناءكم وطلابكم على الجد والاجتهاد وأعدوهم للجهاد في سبيل الله _تعالى_، واربطوهم بالأهداف العالية النبيلة ولا تعلقوهم بالتوافه من الأمور والأهداف الدنيوية الهابطة والحياة المترفة. أليس من المؤسف ألا يوجد في جو المنزل والمدرسة - إلا من رحم الله _تعالى_ من يقول للناشئة: إن أمتكم تنتظركم، وإن لكم دورًا في نشر الخير والعلم والدعوة إلى التوحيد وهداية الناس _بإذن الله تعالى_، والجهاد في سبيله - عز وجل -، والذود عن حمى الأمة وعقيدتها، إن هذا مما ينبغي أن يقال لأبنائنا فلا تقصروا في هذا الواجب فالخطب جسيم، والخطر عظيم، فالأمة تحتاجكم في كل وقت واليوم هي في أشد الحاجة إليكم فلا تخيبوا آمالها.
فأنت أيها الأب الكريم، وأنت أيها المدرس الناصح اللبيب، وأنتم يا من ولاكم الله مسؤولية التربية ومناهجها اتقوا الله في أبناء المسلمين وأدوا الواجب الذي عليكم؛ اغرسوا في قلوب أبناء الأمة كل معاني التوحيد من التوكل على الله - عز وجل - والتعلق به _سبحانه_ وموالاة المؤمنين وبغض الكافرين، واستثمروا هذه النازلة في تقوية عقيدة الولاء والبراء وبيان خطر أعداء الله وأهدافهم الحقيقية؛ يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب _رحمه الله تعالى_:"إن الواجب على الرجل أن يعلم عياله وأهل بيته الحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة فيه، مثل تعليم الوضوء والصلاة؛ لأنه لا صحة لإسلام المرء إلا بصحة الصلاة؛ ولا صحة لإسلامه أيضًا إلا بصحة الموالاة والمعاداة في الله"ا.هـ