فهرس الكتاب

الصفحة 628 من 4557

والإسلام سائر في طريق القوة - على الرغم من الضربات الوحشية التي تكال له في كل مكان - لأن طبائع الأشياء كلها تؤذن بمولد الإسلام من جديد ، لأن له اليوم دورًا في حياة البشرية لا يقل ضخامة ولا قوة عن دوره الأول في صدر الإسلام .

دور التبشير بعالم جديد لا تحكمه المادة ولا يستعبده النزاع على الاقتصاد ، عالم يحكمه مزيج من المادة والروح يجتمعان في نظام . وإن العالم الذي أغرق في المادة فلم تشبع روحه ، ولم تبعث الاستقرار إلى نفسه ، بل أوقعته في صراع دائم مرير … لا بد أن يفيء ذات يوم إلى نظام لا يهمل عالم المادة ولكنه لا يغفل عالم الروح . لا بد أن يفيء إلى الإسلام .

أما نحن فلن يكون طريقنا مفروشًا بالزهور . ولابد من تضحيات كثيرة كتلك التي بذلها المسلمون الأوائل ليقنعوا العالم بما في الإسلام من خير . ولكنها تضحيات مضمونة في الأرض والسماء:"ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز"صدق الله العظيم .

شبهات حول الإسلام

فى القرآن كثير من الكلمات الغريبة ، وهاكم بعضًا منها: فاكهةً وأبًّا ، غسلين ، حنانا ، أوَّاه ، الرقيم ، كلالة ، مبلسون ، أخبتوا ، حنين ، حصحص ، يتفيؤا ، سربا ، المسجور ، قمطرير ، عسعس ، سجيل ، الناقور ، فاقرة استبرق ، مد هامتان..

ونحن نسأل: أليست هذه الألفاظ الغريبة مخالفة للسليم من الإنشاء.. ؟!

• الرد على الشبهة:

لا وجود في القرآن لكلمة واحدة من الغريب حقّا ، كما يعرفه اللغويون والنقاد.

فالغريب ـ الذي يعد عيبًا في الكلام ، وإذا وجد فيه سلب عنه وصف الفصاحة والبلاغة ـ هو ما ليس له معنى يفهم منه على جهة الاحتمال أو القطع ، وما ليس له وجود في المعاجم اللغوية ولا أصل في جذورها.

والغريب بهذا المعنى ليس له وجود في القرآن الكريم ، ولا يحتج علينا بوجود الألفاظ التي استعملت في القرآن من غير اللغة العربية مثل: إستبرق ، وسندس ، واليم ، لأن هذه الألفاظ كانت مأنوسة الاستعمال عند العرب حتى قبل نزول القرآن ، وشائعة شيوعًا ظاهرًا في محادثاتهم اليومية وكتاباتهم الدورية.

وهى مفردات وليست تراكيب. بل أسماء مفردة لأشخاص أو أماكن أو معادن أو آلات.

ثم إنها وإن لم تكن عربية الأصل ، فهي ـ بالإجماع ـ عربية الاستعمال. ومعانيها كانت ـ وما تزال ـ معروفة في القرآن ، وفى الاستعمال العام.

ومنها الكلمات التي ذكروها مما هو ليس عربيّا ، مثل:غسلين ، ومعناها: الصديد ، أي صديد أهل النار ، وما يسيل من أجسادهم من أثر الحريق ، ولما كان يسيل من كل أجسامهم شبه بالماء الذي يُغسَل به الأدران. أما بناؤه على: فعلين فظاهر أنه للمبالغة. ومثل:"قمطريرا"ومعناها: طويلًا ، أو شديدًا. ومثل:"إستبرق"ومعناها: الديباج. وهكذا كل ما في القرآن من لغة غير عربية الأصل فهي عربية الاستعمال بألفاظها ومعانيها. وكانت العرب تلوكها بألسنتها قبل نزول القرآن.

واستعارة اللغات من بعضها من سنن الاجتماع البشرى ودليل على حيوية اللغة. وهذه الظاهرة فاشية جدّا في اللغات حتى في العصر الحديث. ويسميها اللغويون بـ"التقارض"بين اللغات ، سواء كانت لغات سامية أو غيرها كالإنجليزية والألمانية والفرنسية وفى اللغة الأسبانية كلمات مستعملة الآن من اللغة العربية.

أما ما اقترضته اللغة العربية من غيرها من اللغات القديمة أو ما له وجود حتى الآن فقد اهتم به العلماء المسلمون ونصوا عليه كلمة كلمة ، وأسموه بـ"المعرَّب"مثل كتاب العلامة الجواليقى ، وقد يسمونه بـ"الدخيل"هذا بالنسبة لما ذكروه من الكلمات غير العربية الأصل ، التي وردت في القرآن الكريم.

أما بقية الكلمات فهي عربية الأصل والاستعمال ولكن مثيري هذه الشبهات قوم يجهلون فكلمة"حنان"لها جذر لغوى عربي ، يقال: حنَّ ، بمعنى. رق قلبه ومال إلى العطف على الآخرين. والمضارع: يحن والمصدر: الحنان والحنين ، وقد يستعملان استعمال الأسماء.

ومنه قول الشاعر:

حننت إلى ريَّا ونفسك باعدت * مزارك من رياء ونفساكما معا

وأما"أوَّاه"فهو اسم فاعل من"التأوُّه"على صيغة المبالغة"فعَّال".

وكذلك"حصحص"ومعناه: ظهر وتبيَّن.

ومنه قول الشاعر العربي القديم:

من مُبْلغٌ عنى خِداشًا فإنه * كذوب إذا ما حصحص الحق كاذب

أما الناقور فهو اسم من"النقر"كالفاروق من الفراق.

وحتى لو جارينا هؤلاء الحاقدين ، وسلمنا لهم جدلًا بأن هذه الكلمات غريبة ؛ لأنها غير عربية ، فإنها كلمات من"المعرَّب"الذي عرَّبه العرب واستعملوه بكثرة فصار عربيّا بالاستعمال. ومعانيه معروفة عند العرب قبل نزول القرآن. وما أكثر الكلمات التي دخلت اللغة العربية ، وهجر أصلها وصارت عربية. فهى إذن ـ ليست غريبة ، لأن الغريب ما ليس له معنى أصلًا ، ولا وجود له في المعاجم اللغوية ، التى دونت فيها ألفاظ اللغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت